نهاية العام الماضي، أرجأ الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون​ زيارته إلى ​لبنان​، بداعي التزامه بمقتضيات "الحجْر" عقب إصابته ب​فيروس كورونا​، فتبدّدت آمال اللبنانيّين الذين كانوا يعوّلون عليه للضغط على الأفرقاء المتصارعين لوضع خلافاتهم جانباً، والإسراع في ولادة "​حكومة​ الإنقاذ" المستعصية على ما يبدو.

يومها، انتشرت الكثير من التعليقات الساخرة التي تقاطعت على أنّ كورونا، رغم كلّ سلبيّاته ومساوئه، قدّم "خدمة العمر" لماكرون، وأتاح له تفادي "الصداع" الذي كان القادة ​اللبنانيون​ سيتسبّبون له به، والذي قد تكون "عوارضه" أقسى من "صداع كورونا" نفسه، بعدما عجز عن استمالتهم، بالترغيب والترهيب.
ومع أنّ الفرنسيّين أصرّوا حينذاك على أنّ ماكرون لم يُلغِ زيارته، بل أرجأها، تماماً كما أجّل كلّ التزاماته الداخليّة والخارجيّة، إلا أنّ مؤشّراتٍ بالجملة تؤكد أنّ ​باريس​ فقدت "الحماسة" على الانخراط في الملفّ الحكوميّ اللبنانيّ، وإن كانت لا تزال، ظاهرياً على الأقلّ، متمسّكة بمبادرتها الشهيرة...

يأس واستسلام


قد يكون تأجيل زيارة وفد ​مجلس الشيوخ الفرنسي​ إلى ​بيروت​، والتي كانت مقرَّرة هذا الأسبوع، أحد المؤشرات الرئيسية التي تدلّ على تغيّرٍ في "المزاج" الفرنسيّ العام في مقاربة ​الأزمة​ الحكوميّة اللبنانيّة، خصوصاً أنّ السبب الممنوح للتأجيل، وهو الظروف الوبائية والصحية النادمة عن تفشيّ فيروس كورونا، لم يبدُ شديد الإقناع، باعتبار أنّ ماكرون نفسه سبق أن حلّ ضيفاً على اللبنانيين في "عزّ" انتشار الوباء، مكتفياً بأخذ الإجراءات الوقائيّة اللازمة.
لا شكّ أنّ الأمر أعمق من ذلك، وما عدم تحديد موعدٍ جديدٍ لزيارة الرئيس الفرنسيّ الموعودة، وتعامل الداخل والخارج معها على أساس أنّها "ألغيت" بالمُطلَق، بمُعزَلٍ عن التصريحات الرسميّة النافية لذلك، سوى الدليل الأسطع على هذه الحقيقة الثابتة، علماً أنّ هناك من يؤكد أنّ تمسّك الرجل بزيارته في موعدها في كانون الأول الماضي، قبل إصابته بكورونا، كان ناتجاً عن عدم رغبته بـ"كسر الوعد" الذي كان قد قطعه للبنانيين، إلا أنّه كان يدرس جدياً اقتصارها على لقاء الجنود الفرنسيّين العاملين ضمن قوات "اليونيفيل" لتهنئتهم بالأعياد، مع اجتماعٍ بروتوكوليّ "يتيم" مع ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​.
ويعود الأمر، بحسب ما يؤكّد العارفون والمتابعون، إلى "يأس واستسلام" الفرنسيّين من القادة اللبنانيّين، بعدما وفّروا لهم كلّ التسهيلات الممكنة، وضغطوا عليهم بكلّ الوسائل المُتاحة، ترغيباً وترهيباً، حتى أنّ الرئيس الفرنسيّ جاء شخصياً إلى لبنان، مرّتين في فترةٍ زمنيّة محدودةٍ، في سابقةٍ من نوعها، وعقد اجتماعاتٍ ماراثونيّة معهم، ليصطدم بواقع أنّ من تجاوبوا مع مبادرته، فعلوا ذلك شكليّاً، لكنّهم أرادوا "توظيفها واستثمارها" بما يخدم مصلحتهم الشخصية، بدليل "التعقيدات" التي لا تزال محيطة بالملفّ الحكوميّ.

"ساعدوا أنفسكم"!


عندما أطلقت ​فرنسا​ مبادرتها الشهيرة في لبنان في أعقاب ​انفجار​ الرابع من آب المشؤوم، الذي هزّ المتابعين في شتّى أنحاء ​العالم​، لقساوة "المآسي" التي خلّفها، والتي لن تُطوى عمّا قريب، لم تنجُ من "أفخاخ" القراءات والتحليلات والاستنتاجات، وربما التأويلات، حول "ما وراء" هذه المبادرة، والأهداف الحقيقيّة التي ينشدها الفرنسيّون من انخراطهم في الشأن اللبنانيّ، الأمر الذي عزّزته السجالات المُعلنة بين ماكرون ونظيره التركي ​رجب طيب أردوغان​.
وإذا كان كثيرون اعتبروا أنّ فرنسا كانت تبحث عن دورٍ لها في لبنان، تريد استثماره بما يخدم مشروعها الكامل في المنطقة، بعدما أدركت أنّها فقدت أيّ "موطئ قدم" لها في ​الشرق الأوسط​ خلال السنوات القليلة الماضية، فإنّ ثمّة من يسخر اليوم بالقول إنّ باريس لم تعد "راغبة" أصلاً بهذا الدور، بل "كفرت" به، نتيجة تعنّت السياسيّين اللبنانيّين، وإصرارهم على المضيّ في معالجة الأمور وفق الطرق التقليدية، القائمة على "​المحاصصة​" بالدرجة الأولى، وبالتالي تقاسم المغانم والمكاسب، وتقاذف المسؤوليّات، كما لو أنّ شيئاً لم يكُن.
وفي هذا السياق، يتمسّك الفرنسيّون، وفق ما ينقل العارفون عنهم، بمقولتهم الشهيرة التي وجّهوها للبنانيين منذ ما قبل انفجار المرفأ، ألا وهي "ساعدوا أنفسكم لنساعدكم"، لأنّ الأساس يبقى في يدهم وعلى عاتقهم، فهم من ينبغي عليهم أن يبادروا إلى تنفيذ الشقّ المطلوب منهم، بموجب المبادرة ومؤتمرات الدعم السابقة واللاحقة لها، وأول الغيث على طريق ذلك، الانطلاق في ورشة الإصلاحات الموعودة، والتي بقيت حبراً على ورق لسنواتٍ عديدة.
ويقول الفرنسيّون إنّه من دون مضيّ اللبنانيين، فعلاً لا قولاً، في هذه الورشة، وإثباتهم جدية حقيقية في معركة ​مكافحة الفساد​، التي لا يُعثَر عليها سوى في المشاريع الانتخابية الفضفاضة، والبيانات الوزاريّة الإنشائيّة، والتي لا يُطبَّق شيءٌ منها، لا إمكانية لإحراز أيّ تقدّم لإنقاذ اللبنانيين من الأزمات المتفاقمة التي يتخبّطون خلفها، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ومالياً، وبالتالي فإنّ الرهان على باريس أو غيرها لا يكفي، فهي لا تملك أيّ "عصا سحرية" من شأنها قلب الأمور رأساً على عقب.

"بالجرم المشهود"


قد يكون السبب المُعلَن للانكفاء الفرنسي، أو اعتماد باريس لما يمكن تسميته بـ "التباعد السياسيّ" عن لبنان، يكمن في الظروف الصحية في لبنان وفرنسا على حدّ سواء، حيث لا يزال ملف كورونا يطغى على كلّ ما عداه، في ظلّ ارتفاع أعداد ​الإصابات​، والمخاوف المتزايدة من "شتاء قاسٍ" على شعبي البلدين.
ويضيف البعض الآخر إلى ذلك سبباً آخر يتمثّل في "النقمة الشعبية" التي ولّدها اهتمام ماكرون "المُبالَغ به" بلبنان في صفوف الكثير من الفرنسيّين، حيث صبّ جلّ اهتمامه في فترةٍ من الفترات على ملفٍّ لا يبدو "ورقة رابحة" أصلاً، في حين أنّهم قد يكونون أكثر حاجةً إلى بعضٍ من اهتمامه ومتابعاته، لأكثر من سبب واعتبار.
استناداً إلى ما سبق، قد يكون صحيحاً أنّ الملف اللبنانيّ لم يعد "أولوية" للفرنسيّين، لكنّ الأصحّ أنّهم تعبوا وفقدوا قدرتهم على التحمّل، بعدما لمسوا، "بالجرم المشهود"، تعنّت اللبنانيّين وعنادهم، وقبل ذلك مكابرتهم ورفضهم الاعتراف بحقيقة أزماتهم، ولو أصرّوا على "​الضحك​ على الذقون" بتأكيدهم، ليلاً نهاراً، التمسّك بمبادرةٍ تنصّ عملياً على "نقيض" ممارساتهم بالمُطلَق!