عندي صديق قديم بيعزّ علي كتير ، وبحبّو متل خيي ، تركني وراح من 26 سني ، لا شفتو ، ولا سمعتو ، وأنقطعت عنّي أخبارو .

من يومين بيدقّ تلفوني ، تطلّعت : الرقم ما بعرفو ، وأرقامو مكتوبين بلغا غريبي ما عرفت قريتو :
-" آلو ، جورج ، كيفك .. أشتقتلّك .."
صوت كأنّي بعرفو ، جايي من البعيد ، غميق ، فيه ذكريات ،وحسّيت كأني بعرف صاحبو .
-" مين ...؟ "
-" ولو .. شو نسيتني ؟ أنت اللي كنت تقول أني رفيق دربك وما بتنساني ..."
تفاجأت بصاحب الصوت ، معقول ؟ هيدا صوت بسام جرجي ، صديقي اللي أستشهد ب 17 شباط 1990 بمعركة أدما ..
-" بسام .. صديقي ..، أنت كيفك ..؟"
- هلق بخبّرك عني ، أنت خبّرني عن الوطن ، غير الزبالي و​الفساد​ اللي تعوّدتو عليهن ، شو عم يصير عندكن ..؟"
- شكلن أتفقو ع رئيس جمهوريي ، وأنشالله الأزمي السياسي تتحلحل ، وأنت شو أخبارك ؟؟"
- " صار لي 26 سني من وقت ما تركتكن ، وأنا عايش بالنعيم ، الجنّي كتير حلوي ،وتمنّيت أنو كل اللي بحبّن يموتو متل ما أنا متت ...."
- إي .. وبعدين .."
- " من يومين ، بعت ورايي الملاك ، حارس السما وقلّي : ضبّ كلاكيشك وأنزل من هون ، ع المطهر ، ويمكن ينزّلني ع جهنّم ..؟
- " أف أف ..ليش شو صار ؟ "
- " قال أنو الأسباب اللي خلّتني أطلع ع السما أنّي متت شهيد ، واليوم بالنسبي ألن ، بطّلو يعتبرونا شهدا، وطلع القرار أنو أترك الجنّي وفلّ ..؟
- " بس ليش بطّلو يعتبروكن شهدا ، ما فهمت ..؟"
- " لأنّو اللي أتفقو ع رئيس جمهوريي ، وكانو هنّي سبب استشهادنا مش سألانين عنّا ، وما عبّرونا ، وتقرّر أنو يبعتو ال 500 شهيد عسكري و 1100 شهيد مدني ع جهنّم ، واللي أمو مصلّايتلو ب​ليلة القدر​ ، بينزل ع المطهر .."
- "مش عم بقدر صدّق... "
- " صدّق ... هيك صار ، مش بس أنا ، شفت كمان شربل بو نصّار وميلاد عيد وسعيد يمّين وكلّ ​الشباب​ اللي راحو معنا ، عم يضبضبو .. ت يفلّو .."
-" بس هالتدبير بسمح لنفسي قول أنّو مُجحف ، وظالم ومش مفهوم ليش .. "
- " لأنو الزعيمين اللي تقاتلو ع ​رئاسة​ الجمهوريي من 26 سني ، ونحنا متنا فداهن ، أتفقو ، وما حدا منن أعتذر منّا ، من أهلنا ، أو وجّهلنا أي كلمي ، كأنو ما صار شي ، ولمّا مار بطرس شاف هالمنظر ، قرّر أنو دمنا أنهدر بلا طعمي ،وبطّلنا بنظر العدالي السماويي .... شهدا .. "
- " بس يا صديقي ، أنت بتعرف أنو الحقد ما بيدوم ، ونحنا المتقاتلين تصالحنا ، وأنت بتعرف أني من أكتر من 8 سنين تصالحت مع ريمون ناضر اللي كان عم يقاتلنا بأدما ، وكمان تصالحت مع حنّا العتيق ، وأنت لازم يكون وصلتلك هالأخبار ،وبتعرف كمان أنّي حطّيت أكليل ع نصب الشهدا بسيدة إيليج أنا و​الياس الحويك​ اللي خيّو كمان راح معكن بأدما ، ليش بدّنا نعترض ع المصالحا .. ؟"
- " أبداً ، أنا مش معترض ع المصالحا ، اللي عملتوه أنتو والشباب اللي كانو أعدائنا ، هوي عين الصواب ، ولازم تكفّو ت تتصالحو مع كل اللي قاتلتوهن وتعيشو بسلام أنتو وولادكن .. "
-"لكن ع شو الإعتراض؟"
- " ع الطريقا ، و ع النيّي ، أنت ما بتعرف أنو الملايكي بيعرفو شو منفكّر ، وشو بتفكّرو أنتو ..؟ هنّي قالولنا عن نوايا اللي تقاتلوا فينا ، وهنّي خبّرونا أنو أتفقو ع دمنا ، وما حدا منن كلّف خاطرو يجيب سيرتنا حتى بكلمي طيبي .. ،شربو الكاسات ، و​الضحك​ ملو تمّن ،... والدمع ملو عيون أماتنا ، وما تعرّفو علينا .. ، باعونا ، وأتفقو يشترو مصالحن .... بدمّاتنا .. "
- " آخ يا صديقي شو بدّي قلّك ؟ أنا مقهور أكتر منّك ، بس لازم تعرف شغلي :
أنتو مش بس شهدا ، أنتو كرامتنا ، أنتو فخر ​الجيش​ ،أنتو عزّة الوطن ، ولو اللي تسبّبو بالحرب باعوكن ونسيوكن ، بتبقو بفكرنا ، نحنا ما مننساكن ، أنتو بضميرنا ووجداننا ،وبقلب ​الشعب اللبناني​ كلّو ، وكلّ المسرحيات اللي عم تشوفوها ، تأخّرو الناس ت فهموها ، بس نحنا من زمان بلّشنا نفهما .. "
- " هالكلام بيعزّيني، بس ما بيخلّيني مطرح ما أنا من 26 سني، يلّا، الشباب عم يعيّطولي تأخّرو، القرار طلع .. وخلص، نحنا نازلين ع قدرنا، لأنو بطّلنا شهدا .. مطرحنا مش فوق، نحنا ل تحت، بخاطرك يا صديقي ...بخاطرك ..