هو ال​مطران​ هاي ميغريغ باريكيان MeghrigParikian، مطران ​الأرمن​ الأرثوذكس في جبيل، جمعتني به صداقة مميّزة عندما كان لا يزال مديراً لميتم "عشّ العصافير" في جبيل، كانت شرارتها سؤال: "أبونا طوني، لماذا لا تُشارك معنا في أسبوع ​الصلاة​ من أجل وحدة الكنائس"؟فأجبته قائلاً: "سيدنا، لست بحاجة لأن أُصلي معك لكي أصير أخاك، أنا أؤمن بمَن تؤمن به، ولذلك أنا أخوك"! ومن وقتها ربطنا رِباط المحبّة بمتانة، وكان طبيعيّاً وبسيطاً لدرجة أنّنا لَم نتصنّع علاقةَ أخوّة ولا مودّة أبوّة، بل سرنا معاً على طريق الإيمان بربٍّ واحدٍ هو ​يسوع المسيح​ الذي يجعل الجميع إخوة وأخوات في كامل المحبّة. لكن، وللأسف الشديد، لم يُكتب لهذه الصداقة الإصيلة أن تدوم، ذلك أن الوباء خطف حياة الأخ والأب المطران، ليُصبِح واحداً مع أخواته وإخوته المسيحيين في ال​كنيسة​ الواحدة في السّماء.

لَعمري، لَم أعتقد يوماً بأسبوع الصلاة من أجل وحدة الكنائس. لقد كتبت مراراً وتكراراً في هذا الصّدد موضِحاً رأيي بالأسبوع وبالمسرحة التي تحدث فيه. ومع أنني أؤمن بالصلاة وبقوّتها، أتيقّن، يوماً بعد يوم، من أن الله لا يُكره نفساً على ما لا تُريده حتى ولو أظهرت أنّها تُريده في صلاةٍ علنيّة، وفتحت فاها مُصَلّية ​النهار​ كلّه والليل. الصلاة ليست سحراً يفرِض علينا ما لا نريده، فإن كنّا نصلي لكي نصير واحداً ولا نقبل، ولا نعمل بصدق، ومن دون تملّق لكي نصير واحداً، فلن نصير واحداً أبداً.


وبقناعتي، أنّه لو كنّا نُريد فعلاً أن نكون واحداً، ونُكوّن معاً جسد المسيح السرّي الواحد غير المُنقسم وغير المُجَزّأ، لصِرنا واحداً؛ لأنّ الله لا يترك نفساً تائقةً إلى الخير دون أن يصل بها إلى الخير الذي تطلبه. الرّغبة الحقيقيّة والصّادقة في الخير تَصِل بالنفس إلى خيرها وبجسد المسيح الذي هو الكنيسة إلى خيره. الخير يُزيّن النفس بالتواضع، والتواضع كافٍ ليَحُثَّ الأخعلى مُلاقاة أخيه في منتصف الطريق، فيتعانقان عِناق الإخوة في الإيمان الواحد، والربّ الواحد، والرّوح الواحد، وفي الكنيسة الواحدة التي يرأسها رأس واحد هو المسيح يسوع.
لا يكفي أن نُقرّ بأنّنا أخطأنا إلى بعضنا البعض في حقبة من الماضي البعيد. وبالطبع لا يكفيأن نلطم صدورنا أسفاً وتوجّعاً وندامة في العلَن. الإقرار بالذنب جيّد، وهو عتبة العبور إلى الشّركة، ولكنه ليس العبور. فهل يُريد رؤساء الكنائس حقّاً، العبور بِهم وبِنا، وبهذا الجسد الممزّق، إلى ملء الشركة والوحدة؟ نَعَم. ولكن، ومن باب التساؤل ليس إلاّ، هل النّعم للوحدة التي يقولونها رؤساء الكنائس علانيّة مع ما يُرافقها من تنديد بسوء الإنقسام، نَعمٌ حقّاً. نَعَمٌ لا تملّق فيها ولا مُحاباة. نعمٌ بسيطة متواضعة وصادقة؟ نعم. إذاً لِمَ هذه المراوحة في ​تحقيق​ الوحدة؟ ولِمَ لَم تتمّ بعد؟ وأين هي المُشكلة؟ وما هي الموانع والمُعوّقات؟ ولِمَ هناك في الأساس معوّقات طالما الجميع على وحدة في الرأي والقول، وطالما يؤمن الجميع بربٍّ واحِدٍ هو يسوع المسيح الذي دعانا إلى محبّة بعضنا البعض لكي يعرف ​العالم​ إنّنا تلاميذه حقاً(يو13: 35).
تُرى، أستتحقق مقولة أستاذنا الرّاحل الأب لازلو سابو اليسوعي LaszloSzabot، الذي غالباً ما كان يُردّد على مسامعنا من وحدة الكنائس: "هي واقع اسكاتولوجي""un fait eschatologique"، في إشارة منه إلى أنّها لن تتحقّق في هذا الزمان، بل في الدّهر الآتي؟ أم أننا سنستيقط يوماً ما على وقع خبر الوحدة الجميل؟ أرجو ذلك، وإلى ذلك الحين، أنا على يقين من أن صديقي المطران ميغريغ قد سبقنا إلى تحقيق الوحدة؛ فها هو الآن في كنيسة السماء، حيث يشترك ب​الخبز​ الواحد، والكأس الواحدة، على المائدة الواحدة، وفي شركة واحدة مع جماعة السماء المنتصرة، حيث الكلّ في المسيح وللمسيح والمسيح لله الآب.