يقر أرسطو بأن مراحل تطور ال​كوميدي​ا لم تكن واضحة المعالم إلى أن ازدهرت في #أثينا. كان #براتيناس وهو كوميدي إغريقي مهتماً باقتباس موضوعاته من الأساطير بعد تحويرها و تطويعها كي تلائم المغزى الكوميدي. لم يقتصر نشاطه على ​تأليف​ الكوميديا بل ألف كذلك تراجيديا و مجموعة من الأشعار.

الكوميديا والجماهير

تَبْدو الكوميديا للجميع مدعاة تسلية ولهو تحْملُ الجمهورَ بعيداً عن ردهات ​السياسة​ ومتاعب ​الحياة​ ومُدْلَهماتها. قُدْرة الكوميديا اللافتة على جذب الجمهور جعلت مِنْها فنًّا سياسيًا يرتدي قناعَ الضَحك الساخر.

ليس بالغريب أن برامج ​الضحك​ في #الولاياتالمتحدةالأميركية تكادُ لا تُعَدْ. اللافِت في برامج كبرنامج جون أوليفر أنها تضمُ في أجندتها مواضيع مختلفة فهي تطال الشأن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. تتوظف الكوميديا هناك في خدمةِ الأجندة السياسية، على أنها تتخذ طابعًا معرفيًا غالب الأحيان. أهمية الكوميديا هناك تجعل من يمارسها يتقاضى أجرًا يتفوق على كثيرٍ من ​الفنون​ الأخرى.

الكوميديا وهامِشُ الحماقة

معادلاتُ الحِرَفِ في ​لبنان​ غريبة، هُنا يطالِبُ الجمهور بالحضارة وينتقي السذاجة. ينتظرُ الجمهور موجةً تُشبع رغبته بالضحك، فالرغبة هُنا مختلفة لا تستنظِرُ المعلومة الهادفة إنّما تستهوي الجماهير مقاطع "الكوميديا" الهزلية التي تبدعُ في توظيف هفوات الناس لخدمة رغبتها الأولى وهي نسب المشاهدة.

لا أحد هُنا يُتْقِنُ الكوميديا، في لبنان يُصبح الأحمق "كوميديًا" ناجحاً باستنساخهِ لواقعِ ​المجتمع اللبناني​ الساخر وبهذا لا تنفد عُملات مواده فالممول حيزٌّ جغرافي يبحثُ فيهِ المُثقف عن الحضور لا العكس. عدوى "النجاح" الهدّام هذه لا تقتصر على "الكوميديا" فقط، بل تطالُ الإعلام اللبناني بشكلٍ عام. يصيرُ الإعلامي في لبنان محاضراً في جامعة ورأسماله الأكاديمي "شهرته" على ​الشاشة​ الدعائية التي يعمل في خدمتها على أنّ الكثيرين من أيقونات التعليم هؤلاء لا يملكون أدنى مقومات ​اللغة​.

السببُ والنتيجة

يقولُ مؤرخون إن نسبة الأمية وصلت في سنوات الإمبراطورية العثمانية الأخيرة إلى تسعين بالمئة، و​الانقراض​ الحضاري يجر معه الانقراض السياسي والعسكري والمجتمعي وكلها من مكونات الثقافة. صارت ثقافة ​الشعب اللبناني​ ثقافة هزلية تعكسُ حال دول عربية عديدة. وصلت نسبة الأمية في عالمنا العربي إلى ما يزيد عن ثلاثين بالمئة، هذهِ الحقيقةُ تُنذرُ بانقراض حضاري فتّاك. لبنان كمعظم ​الدول العربية​ اليوم لا يقدم للجنس البشري إنجازًا يُذْكَرْ، فحركة الثقافة البشرية تكاد تخلو من أي إسهامٍ عربي ولبناني. يعيشُ مجتمعنا في نهجٍ استهلاكي متطرف يسعى فيه الفرد إلى ​الزواج​ و"السترة" وتأمين القوت اليومي. الإبداعُ والثقافة هما وقود تطور الحضارات، وإن كانت الحضارات تتناقح وتتلاقح ثقافيًا على مرِّ العصور صارَ مجتمعنا اليوم يستهلك أوكسيجين الأرض دون أن يرد دينه.

وجوهُ الشاشة في لبنان ونجوم الساحة مجموعة حمقى صنعهم ​الخمول​ الثقافي. يتباهى هؤلاء بزينتهم رجالًا ونساء، هم يعلمون أن الفضيحة والسبق الصحفي متساويان فكلاهما سيشد الأنظار إليهم. ألقوا نظرة طائرٍ ولو بسيطة على "وحوش الشاشة" اللبنانية وقارنوها بأبسط معايير المعرفة والثقافة، ليدركنَّ الفرد منكم كيف صنع بيده مستقبلًا للحمقى.