بين الملفّات الدَّوليّة السّاخنة الَّتي قرّر الرّئيس الأَميركيُّ الجديد ​جو بايدن​ إِعادة النّظر فيها: "سدّ النّهضة"!. فقد أَعلنت ​وزارة​ الخارجيّة الأَميركيّة، مساء الجُمعة الماضي، أَنّ الولايات المُتّحدة تُراجع سياستها في شأْن "سدّ النّهضة الإِثيوبيّ"، لتسهيل حلّ الأَزمة المُستمرّة بسب هذا المشروع، بين إِثيوبيا ومصر والسُّودان. وقال النّاطق باسم الوزارة نيد برايس، إِنّ إِدارة بايدن، "تُراجع سياستها تجاه سدّ النّهضة، وتُقيِّم دورها في تسهيل الحلّ بين مصر وإِثيوبيا والسّودان. وأَضاف براس أَنّ بلاده قرّرت عدم ربط التّعليق المُوقّت لبعض مُساعدات إِثيوبيا بالسّياسة الأَميركيّة في شأن سدّ النّهضة، وذكر أَنّ ​واشنطن​ أَبلغت الحُكومة الإِثيوبيّة في هذا الشّأن.

وكان الرّئيس السّابق ​دونالد ترامب​، فشل في مُعالجة هذا الملفّ المائيّ التّنازُعيّ الشّائك، وبالنّسبة إِلى مُنتقدي ترامب، فإِنّ التّوتُّرات المُتصاعدة بين حليفتَيْن للولايات المُتّحدة مُنذُ فترةٍ طويلةٍ وهُما مصر وإِثيوبيا في شأن سدٍّ ضخمٍ على أَحد روافد نهر النّيل، تُمثّل أَكبر فشلٍ ديبلوماسيٍّ لإِدارته في أَفريقيا!.
وكان ترامب ثال في أَواخر تشرين الأوّل 2020، إِنّ مصر قد "تُفجّر" السّدّ الّذي بنته إِثيوبيا، على رُغم تفاخره في كانون الثّاني من العام المُنصرم، بأَنّه يستحقُّ "​جائزة نوبل​ للسّلام"، لأَنّه "أَبرم اتفاقًا". وقال بعد فترةٍ وجيزةٍ من منح رئيس الوزراء الإِثيوبيّ أَبي أَحمد الجائزة: "منعْتُ وقوع حربٍ كبيرةٍ، بل منعْتُ وقوع حربَيْن". وقد كانت تعليقات ترامب غامضةً، ولكن بدا أَنّها إِشارةٌ إِلى تدخُّله، بناءً على طلب الرّئيس المصريّ عبد الفتّاح السّيسي، الّذي وصفه ذات مرّةٍ بأَنّه "الدّيكتاتور المُفضّل لديه"، لحلّ النّزاع في شأَن "سدّ النّهضة". وترى مصر في السدّ "تهديدًا وجوديًّا" لبقائها، وهو قلقٌ يشترك فيه السُّودان، وإِن كان ذلك بدرجةٍ أَقلّ.
ومِن ناحيةٍ أُخرى، تعتبر إِثيوبيا السدّ حيويًّا لاحتياجاتها من الطّاقة.
وتزامُنًا فجر الدّكتور أَحمد المفتي، العُضو السّابق في وفد السّودان إِلى "مُفاوضات سدّ النّهضة"، مُفاجأَةً كبيرةً السّبت الماضي، في شأْن الأَرض الّتي أُنشئ عليها "السدّ الإِثيوبيّ" تزامُنًا مع الموقف الأَميركيّ الجديد في هذا الملفّ. وقد أَكّد المُفاوض السّودانيّ أَنّ الأَرض الّتي بُني السدّ عليها، إِنّما تعود ملكيّتها إِلى بلاده.
وقد جاء كلام المفتي في مُقابلةٍ أُجريَت معه في برنامج "البُعد الآخر" عبر قناة "العربيّة"، وقال خلالها المفتي أَنّ "السُّودان منحت إِثيوبيا الأَرض الّتي أُقيم عليها "سدّ النّهضة" في العام 1902، "شرط عدم تدشين أَديس أَبابا أَيّ مُنشأةٍ مائيّةٍ على نهر النّيل، مِن دون مُوافقة ​الخرطوم​".
وأَوضح المفتي أَنّ السُّودان "قد يُطالب باستعادة هذه الأَرض"، بخاصّةٍ وأَنّ الطّرفَيْن، السُّودانيّ والإِثيوبيّ، قد اشترطا ذلك بعدم إِقامة أَيّ مُنشأَةٍ مائيّةٍ على نهر النّيل مِن دُون مُوافقة السّودان.
وناشد أَيضًا مجلس الأَمن الدّوليّ، التدخُّل لإِثناء إِثيوبيا عن بدء الملء الثّاني للسدّ، المُقرّر في تمّوز المُقبل، وإِلّا سيتفجّر الوضع في شكلٍ خارجٍ عن السّيطرة!. وأَضاف أَنّ "أَكثر مِن عشرين مليون مواطنٍ سودانيٍّ مُهدَّدون بخطرٍ عظيمٍ بسبب "سدّ النّهضة".
فهل سيُقارب بايدن ملفّ سدّ النّهضة" انطلاقًا مِن هذه المقاربة الإِنسانيّة؟ أَمّ أَنّ ثمّة طريقة أُخرى لمُقاربة الموضوع الشّائك أَميركيًّا؟. وفي مُطلق الأَحوال لا شكّ بأَنّ هذا السدّ، سيأخذ حيّزًا مُهمًّا مِن اهتمامات الخارجيّة الأَميركيّة...