ثمة أحداث كبيرة تحصل في كواليس ​الشرق الاوسط​، تؤثر ارتداداتها مباشرة على الواقع ال​لبنان​ي المأزوم اصلاً. وكان يمكن بالتأكيد، إمرار هذه المرحلة الدقيقة التي يشهدها الشرق الاوسط بكلفة اقل، في ما خصّ الساحة اللبنانية، لو كانت الطبقة السياسية الحاكمة تضع الأولوية للمصلحة العامة لا المصالح الصغيرة والضيّقة الذاتية.

هناك مؤشرات ثلاثة لا يمكن تجاوزها او التمعن بخلفياتها الكبيرة:

ـ المؤشر الاول، يتعلق بما كشفته الصحف ​البريطاني​ة المختصة، بعد عمل دؤوب استمر نحو سنة، وتمّ توزيعه على وزارتي الدفاع والخارجية، اضافة الى قطاعات اخرى، للبدء بالعمل على تنفيذه. ووصِفَ بأنّه اكبر دراسة لإعادة تقييم مكانة ​بريطانيا​ على المسرح ​العالم​ي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وأوصى التقرير بضرورة الاستعداد لمواجهة ​الصين​، عبر السعي لتوسيع النفوذ البريطاني في ​الهند​ و​المحيط الهادئ​.




والمعروف انّ بريطانيا تُعتبر اول حليف دولي والأكثر قرباً للولايات المتحدة الاميركية، وأنّها تتعاون دائماً وفي العمق مع المشاريع الاميركية على المستوى الدولي. وهو ما يعني انّ اشارة الإنطلاق للبدء بخطة احتواء تمدّد النفوذ الصيني قد أُعطيت، وهو ما يدفع الى الإستنتاج بوجوب الإسراع في ​اقفال​ ساحات التوتر المفتوحة، والتي تُشغل ​الولايات المتحدة الاميركية​، وفي طليعة هذه الساحات منطقة الشرق الاوسط.


المؤشر الثاني، ويتعلق بتصاعد التوتر خلال الاسابيع الماضية بين ​اسرائيل​ و​ايران​، وسُجّل في هذا الإطار ما عُرف بالهجمات البحرية والتي طاولت سفناً تابعة للبلدين. هذا في وقت انطلق وفد اسرائيلي ب​رئاسة​ الرئيس الاسرائيلي ومشاركة رئيس الاركان الى عواصم اوروبية، للتشويش على خطوة إعادة العمل ب​الاتفاق النووي​ مع ايران. وكشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الاميركية، عن ​تقارير​ مفصّلة تتحدث عن إستخدام اسرائيل الغاماً بحرية لمهاجمة نحو 12 ​ناقلة نفط​ ايرانية كانت «تهرّب» ​النفط​ والاسلحة الى ​سوريا​، حسب الصحيفة نفسها.


وبدا واضحاً، انّ التقرير الذي تضمّن معلومات مفصّلة أعدته اجهزة أمنية اميركية متخصّصة، وتمّ تسريبه عمداً الى الصحيفة بهدف توجيه رسالة واضحة الى ​الحكومة الاسرائيلية​ فحواها، ضرورة ان تعمد السلطات الاسرائيلية الى وقف هجماتها واحتكاكاتها البحرية مع ايران، وهو ما دفع الحكومة الاسرائيلية الى الإنصياع للطلب الاميركي، وبالتالي خفض التصعيد البحري المباشر بينها وبين ​طهران​. والاستنتاج هنا ايضاً واضح، فالإدارة الاميركية على ما يبدو، لا تحبذ التفكير الذي تفتعله اسرائيل، كونها دخلت منذ فترة في مفاوضات غير مباشرة مع ايران. ويُحكى في الكواليس الديبلوماسية انّ ​سلطنة عمان​ تتولّى مهمّة تبادل الرسائل بين ​واشنطن​ وطهران. ولا يستبعد البعض ان تكون هذه المفاوضات غير المباشرة قد تطورت لتصبح مباشرة، ولو أنّ أي تأكيدات جدّية لم تظهر في هذا الإطار. لكن الواضح، انّ لجم اسرائيل لم يكن الإشارة الوحيدة في هذا المجال، بل سبقتها خطوات كثيرة، مثل رفع الحوثيين عن لائحة التنظيمات الإرهابية، والسماح بالإفراج عن ارصدة إيرانية في ​كوريا الجنوبية​ و​العراق​، والرسائل التي حملتها زيارة رأس ​الكنيسة الكاثوليكية​ في العالم ​البابا فرنسيس​ الى العراق، والتي تضمنت دعوات الى ​السلام​، مع العلم انّ السلطات الامنية الاميركية واكبت هذه الزيارة منذ انطلاقها وحتى انتهائها.


اما المؤشر الثالث، فهي دعوة ​روسيا​ وفد «حزب الله» الى زيارة ​موسكو​. صحيح انّ زيارة كانت قد سبقت في العام 2011، إلّا أنّ للزيارة الرسمية في هذه المرحلة اهمية خاصة، وسط التبدلات والتطورات الهائلة التي جرت في الشرق الاوسط، والمشاريع المستقبلية الاميركية ـ الايرانية.




بداية، فإنّ حصول هذه الزيارة الرسمية الثانية بعد نحو عشر سنوات لا يعني بالتأكيد أنّ التواصل كان مفقوداً. فعدا عن التواصل الديبلوماسي من خلال مساعد ​وزير الخارجية​ الروسية ​ميخائيل بوغدانوف​ و​السفير الروسي​ في لبنان، إلّا أنّ التواصل الأهم والأفعل والأكثر إنتاجية، كان ولا يزال حاصلاً من خلال القنوات الامنية والعسكرية، والتي تحتّمها طبيعة النزاع الحاصل في سوريا. وبالتالي، فإنّ اهمية الزيارة تبقى في اعطائها الطابع الرسمي وتجديد الإعتراف بـ»حزب الله» كقوة بارزة، ولو جاء ذلك تحت عنوان البحث في ​الأزمة​ الحكومية اللبنانية الخانقة. في العام 2011 يوم زار وفد «حزب الله» موسكو كانت الحرب في سوريا في بدايتها، والمشاريع المطروحة تقض مضجع «حزب الله»، الذي يعتبر الممر البري السوري مسألة حياة وموت. أضف الى ذلك، السند الذي يلقاه من ​النظام السوري​. يومها عاد «حزب الله» وهو ينتابه القلق، بعدما لمس عدم وضوح رؤية روسيا لمستقبل النظام في سوريا. واستمرت ايران من خلال ​قاسم سليماني​ في التأثير على موسكو، الى ان أنتج قراراً روسياً بالتدخّل العسكري المباشر.


وهذا ما ساعد في إنقاذ النظام السوري، ولكنه منح موسكو في المقابل حضوراً مباشراً وقوياً يحتاج اليه الجميع. وفي المناسبة، فإنّ وزير الخارجية الاسرائيلية غابي اشكينازي يصل الى موسكو، في الوقت الذي يستعد وفد «حزب الله» لمغادرة الاراضي الروسية.


في الواقع، ووفق المعلومات القليلة التي تمّ تسريبها، فإنّ نقاشاً متشعباً دار وطاول الساحتين اللبنانية والسورية. وبات معروفاً الدعوة الروسية الى الإسراع في ​تشكيل الحكومة​، لأنّ حال المراوحة اصبحت تشكّل خطراً على الاستقرار، وبالتالي على جميع الأفرقاء في لبنان. وقيل إنّ «حزب الله» كرّر تأكيد انّه يفعل ما في وسعه في هذا الاتجاه، وأنّه اعلن على لسان امينه العام، معارضته حيازة اي طرف الثلث المعطّل، ودعوته الى توسيع الحكومة للتقليل من العِقَد الموجودة. لكن الجانب الروسي الذي يدعم في وضوح الرئيس ​سعد الحريري​، لمس وجود تكهنات بأنّ الحريري قد يكون مكبّل اليدين بسبب فيتو سعودي على تمثيل «حزب الله» في الحكومة، ولو من خلال مناصرين له.

في الواقع، تسعى موسكو الى التقدّم بخطى ثابتة في اتجاه ​السعودية​، مستفيدة من الغيوم التي تظلّل علاقة ​الرياض​ بواشنطن في هذه المرحلة، وهي تسعى الى لعب دور يؤدي الى وقف هجمات الحوثيين في اتجاه العمق السعودي. ولكن لهذا الجانب برنامج واسع قبل الطلب من السعوديين إزالة «الفيتو» عن ادخال ​ممثلين​ غير حزبيين لـ»حزب الله» الى الحكومة. لكن الجانب الاهم كان حول الساحة السورية، وهو الجانب الذي يتكامل مع التفاهمات الاميركية ​الجديدة​ مع ايران حول المنطقة.




روسيا تعتقد انّ الحرب تكاد تنتهي، وأنّ هذا يستوجب ترتيب الساحة، بحيث يتسلّم ​الجيش السوري​ ​السلطة​ الكاملة على الارض. وضمناً، هي دعوة لانسحاب القوى الاجنبية، وأنّ روسيا قادرة على تأمين ذلك. في المقابل لمست موسكو انّ وفد «حزب الله» يريد ان يستكشف ويرى حقيقة موقف روسيا من الرئيس ​بشار الاسد​، وما اذا كانت هنالك تبدّلات ليس في اجوائها. وربط الوفد بين انتهاء الحرب وعودة النازحين الى سوريا، وايضاً انسحاب كل القوى خصوصاً تلك التي لا تحظى بموافقة ​الدولة السورية​، فيما وجود «حزب الله» هو بطلب رسمي من دمشق. والمقصود هنا وجود ​القوات​ الاميركية والاوروبية في سوريا.


وكان واضحاً انّ موسكو تعمل على التحضير ل​مؤتمر​ لعودة ​النازحين السوريين​، لكن هذه العودة في حاجة الى اعادة اعمار، تحتاج الى رساميل عربية واوروبية. أضف الى ذلك، التعديلات التي سيلحظها ​الدستور​ الجديد.


في الواقع، فإنّ المؤشرات الثلاثة تؤكّد استعجال واشنطن الى إنجاز تفاهمات واسعة في الشرق الاوسط، هي أشبه بـ»سايكس ـ بيكو» جديد يطاول النفوذ السياسي للخريطة الجيوسياسية في المنطقة، ولكن من دون ان يطاول الحدود الجغرافية. وهو ما يدعو الى الاستنتاج ايضاً، انّ المفاوضات الاميركية ـ الايرانية والتي بدأت فعلاً، تواكبها تفاهمات اميركية ـ روسية لم تكتمل. وأنّ ما ينتظر المنطقة تفاهمات مؤقتة للأنظمة في العراق وسوريا، قبل ان تبدأ مرحلة جديدة لتفاهمات حول صيغ نهائية للسلطة في هاتين الدولتين بعد بضع سنوات. أما لبنان، فإنّ صيغة الحكم فيه غير قابلة للتعديل او التبديل، وثمة جهود للتخفيف من التداخل الاقليمي في ساحته الداخلية، لكنها عملية صعبة وحساسة ودقيقة، ولهذا السبب تهتز ساحته الداخلية وتضطرب، وهي ستشتد اكثر فأكثر، طالما انّ المفاوضات لم تصل الى نتيجة بعد.