قد يكون مشهَدًا مُستنسَخًا يتكرّر بين الفينة والأخرى، للتغطية على "التخبّط" الدائم والمستمرّ منذ أشهر طويلة، وللإيحاء بأنّ هناك من "يبادر" ويسعى لإيجاد موطئ قدم لـ"توافق" من شأنه أن يفضي إلى ولادة الحكومة التي طال انتظارها، والتي يُبنى عليها الكثير للانطلاق في مشروع "الإنقاذ"، إن كانت مقوّماته لا تزال مُتاحة أصلاً.

ينطبق ما سبق، بشكلٍ أو بآخر، على "الإيجابيّة" التي استجدّت في اليومين الماضيين على خطّ مفاوضات ​تأليف الحكومة​، من دون الكثير من الأسباب الموجبة، أو المقنعة بالحدّ الأدنى. إلا أنّها قد تعكس، في الوقت نفسه، متغيّرات لا بدّ أن تطرأ على المشهد، عاجلاً أم آجلاً، باعتبار أنّ "المراوحة القاتلة"باتت تضرّ أكثر ممّا تنفع.
لكن، رغم ذلك، ثمّة علامات استفهام بالجملة تُطرَح حول هذه "الإيجابيّة"، فكيف استجدّت في الأصل؟ وهل تمتلك مقوّمات حقيقيّة، حتى لا تكون "خاتمتها" كسابقاتها، بعدما يتبيّن أنّها وهميّة ومزيّفة ولا أساس لها؟ وقبل هذا وذاك، هل يمكن أن "تنعكس" على العلاقة بين ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​ ورئيس الحكومة المكلف ​سعد الحريري​؟.
ولأنّ الإجابة على السؤال الأخير، بالحدّ الأدنى، تبدو نافية، في ظلّ استمرار "الكباش" بين أوساط الرجلين والمقرّبين منهما، ثمّة سؤال أكبر يُطرَح، إذ هل يمكن للحكومة أن تولَد أصلاً بغياب "الثقة" بين الرجلين؟ وأيّ "إنتاجيّة" تُرتجى من حكومةٍ تولَد على طريقة "​المساكنة​ القهرية"، بعدما أثبتت حكومات "التسوية" عجزها سابقًا؟

"مفعول" ال​عقوبات​ الفرنسية؟

يتحدّث العارفون عن عددٍ من العوامل "الضاغطة" التي "ربما" تكون أسهمت في خلق الأجواء "الإيجابية"، من باب "الضرورة"، إن جاز التعبير، أولها يتعلق بالوضع العام في البلاد، الذي لم يعد يحتمل المزيد من المماطلة، خصوصًا أنّ ال​لبنان​يّين باتوا في قلب "الانهيار"، وأنّ كلّ يومٍ يمرّ عليهم يفاقم "المأساة" أكثر، في ظلّ الأرقام المخيفة والخطيرة التي تتكشّف يومًا بعد يوم عن نسبة ​الفقر​ والعوز و​البطالة​ وغير ذلك.
لكن، لأنّ التجربة أثبتت أنّ مثل هذا العامل قد يكون "آخر همّ" القادة والمسؤولين، الذين ما زالوا يغلّبون "مصالحهم" الخاصة على كلّ ما عداها، بدليل تأخير الخلاف بسبب حقيبةٍ من هنا أو وزيرٍ من هناك، ثمّة من يعتبر أنّ مثل هذا العامل مجرّد "كلام بلا جمرك"، ليخلص إلى أنّ سبب "الإيجابية"، لو صحّت، لا يكمن سوى في الضغوط الخارجيّة، التي ازدادت وتيرتها في الأيام الماضية، بعد "شبه انكفاء" طبع المرحلة الأخيرة.
ويتوقّف هؤلاء عند "التحوّل" الذي رُصِد في اللهجة الفرنسية تحديدًا إزاء لبنان في الفترة الأخيرة، منذ حديث الرئيس ​إيمانويل ماكرون​ عن مقاربة جديدة، أو نهج مختلف، وصولاً إلى الاتصال "النوعيّ" الذي أجراه ​وزير الخارجية​ الفرنسي جان إيف لو دريان بكلّ من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف ورئيس ​مجلس النواب​، ووُصِف بأنّه "الإنذار الأخير"، وحمل بين طيّاته "تهديدًا جديًا" بفرض عقوبات على "معطّلي" ​تشكيل الحكومة​.
انطلاقًا من ذلك، ثمّة مَن يعتقد أنّ هذا الضغط "فَعَل فِعْله"، فجعل الكثيرين يتخلّون عن شروطهم المُسبَقة، حيث وافق رئيس الحكومة المكلف على طرح "توسيع" الحكومة إلى 24 وزيرًا، والتخلّي عن "التشكيلة" التي سبق أن قدّمها، وكان يرفض أيّ نقاشٍ بها، فيما أبدى رئيس الجمهورية "مرونة" على صيغة "8+8+8"، مع احتساب وزير "الطاشناق" ضمن حصّته، خلافًا لنهج "الفصل" بين الفريقين الذي كان يتمسّك به سابقًا.

"العونيّون" متوجّسون...

لكن، رغم هذه "الإيجابية" التي تبقى "افتراضيّة ونظريّة" حتى إشعارٍ آخر، لا يبدو "العونيّون" مرتاحين للأجواء العامة، إذ يطرحون الكثير من علامات الاستفهام حول مضمون المبادرة، بعيدًا عن الصيغة والأرقام، والتي أثبتت الأيام الأخيرة أنّها تشكّل "العقدة الفعليّة"، ويتوجّسون في الوقت نفسه من "استراتيجية" رئيس الحكومة المكلّف، ومن خلفه الفرنسيّون.
فإذا كان "العونيّون" ينفون أن يكون التلويح بالعقوبات الفرنسية والأوروبية أدّى إلى أيّ تغيير في مقاربتهم، ويصرّون على أنّهم "تجاهلوها" بكلّ بساطة، لاقتناعهم بأنّها لا تسهم سوى في تعقيد ​الأزمة​ بدل تسهيلها، وقد جُرّبت سابقًا أميركيًا مع الوزير السابق ​جبران باسيل​ من دون أن تحقّق "مبتغاها"، فإنّهم لا يخفون "توجّسًا" من الأداء الفرنسيّ في هذا السياق.
بين مؤيّدي رئيس الجمهورية، من يسأل مثلاً عما إذا كانت "التسريبات" عن "تطمينات" تلقاها الحريري، بأنّه سيكون "بمنأى" عن هذه العقوبات، دقيقة، علمًا أنّه ينبغي أن يتحمّل المسؤولية الأكبر باعتبار أنّه رئيس الحكومة ومن يتعيّن عليه تأليفها، وإذا تعذّر الأمر عليه، يفترض أن يقدّم اعتذاره "الشجاع"، مفسحًا في المجال أمام غيره لتأليف حكومة تكون متجانسة ومتناغمة، وقادرة على ​تحقيق​ الإصلاحات بمقتضى المبادرة الفرنسيّة.
وإذا كان مثل هذا الكلام ينسجم مع "توجّس" الفريق "العونيّ" من تنصيب الحريري لنفسه "مندوبًا ساميًا" منذ اليوم الأول، وكأنّه "الوصيّ" على المبادرة الفرنسيّة، من دون أي تفويض أو ​تكليف​، يبدو أنّ "انعدام الثقة" بين الجانبيْن يتكرّس أكثر فأكثر. وهنا، يسأل "العونيّون": لماذا سافر رئيس الحكومة المكلف في ذروة الحديث عن إيجابيّة؟ ألم تكن الإيجابية تستوجب منه "تأجيل" سفره؟ ولماذا يصرّ على ترك الانطباع بأنه يؤلّف حكومته في الخارج لا في الداخل؟
وينعكس غياب الثقة على "​تفاصيل​" المبادرة المستجدة، التي تكمن خلفها "الشياطين"، ولا تزال تبحث عمّن يفسّرها ويفكّ الألغاز، فماذا يعني الاتفاق على عدد الوزراء مثلاً، إن صدقت التسريبات في هذا الجانب؟ والأهمّ، من سيسمّي هؤلاء الوزراء في هذه الحالة؟ هل سيتقبل رئيس الحكومة المكلَّف أن يسمّي الرئيس الوزراء المحسوبين عليه، أسوة بباقي الأفرقاء، أم سيبقى على "نغمة" أنه من يسمّي الوزراء، ويصنّفهم "على مزاجه" ضمن حصّة هذا الفريق أو ذاك؟!

"السلبية" طاغية؟

بعيدًا عن الإيجابية المستجدّة، تبدو الكثير من المعطيات الحكومية "عالِقة" في مربّعها الأول، فيما تبقى المبادرة، التي قيل إنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري يقف خلفها، "على الورق"، إن جاز التعبير.
هكذا، يُفسَّر مثلاً سفر رئيس الحكومة المكلّف في ذروة الإيجابية بطريقة "سلبيّة"، ولو أصرّت أوساطه على القول إنّ رحلته قصيرة، وإنّ هاتفه معه، ويستطيع العودة في أيّ لحظة، متى "وافقوا" على المبادرة.
هنا، تُطرَح أسئلة أخرى، فمن هم "هؤلاء" الذين ينتظر منهم الحريري أن يوافقوا؟ وأليس هو من ينبغي أن يبادر ويتصل ويناقش بوصفه رئيس الحكومة المكلّف؟ أم أنه يستعيد تجربة "الاعتكاف" السابقة يوم غادر البلاد، مُنتظرًا إبلاغه بالحلّ ليعود ويصدّق عليه؟
يقول البعض إنّ مثل هذا الكلام، حين يصدر عن رئيس الحكومة المكلَّف، يشكّل "أكبر ضربة" لصلاحيّاته، التي "يستميت" للدفاع عنها حينما يتصدّى رئيس الجمهورية لما يعتبرها مقتضيات "الشراكة"، استنادًا إلى كون توقيعه "ملزمًا" في تشكيل الحكومة.
في الخلاصة، لا أمل يُرتجى حتى إشعار آخر. قد يكون مثل هذا الاستنتاج مخطئًا، لكنه يبقى مبنيًا على تجارب سابقة غير مشجّعة، لم تعد معها فرضية "المتهم بريء حتى تثبت إدانته" تنطبق على الطبقة السياسية، بانتظار إثبات "البراءة" وولادة الحكومة...