لم تكد الولايات المتحدة وإسرائيل «تستبشران» بإمكانية تحويل الهجوم الأخير على منشأة نطنز إلى ورقة ضغط وابتزاز لإيران، حتى جاءهما إعلان مخيّب من الأخيرة برفع نسبة التخصيب إلى مستوى غير مسبوق في تاريخ البرنامج النووي الإيراني. خطوةٌ تستهدف طهران من خلالها تفريغ العملية التخريبية من مضمونها وأهدافها، بعدما أملت واشنطن أن تستطيع عَبرها فرْض شروطها في محادثات فيينا، فيما أرادت تل أبيب ضرْب أيّ فرصة لعقْد اتّفاق أصلاً، وتوجيه ضربة موجعة إلى برنامج إيران النووي

لا يحتاج المراقب إلى مواقف رسمية صريحة، ولا إلى تقديرات الخبراء في كيان العدوّ، لاستشراف أصداء إعلان إيران، رسميّاً، بدءَ تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، وتركيب 1000 جهاز طرد مركزي إضافي في منشأة نطنز، لدى المؤسّستَين السياسية والأمنية في إسرائيل. فما إن تصحو الأجهزة المختصّة من هَول المفاجأة، وتستوعب حقيقةَ ما حصل، وتُدرك المسار الذي ستسلكه التطورات بعد حادثة نطنز، سيتمّ التدرّج في التعبير عن الخيبة والرهانات الخاطئة، وصولاً إلى التشكيك في نجاعة الآلية التي اعتُمِدت في اتّخاذ قرار تنفيذ هجوم نطنز الأخير تحديداً.

بخلاف الكثير من العمليات والخطوات التي تحتاج إلى بعض الوقت كي يتّضح فشلها من نجاحها، لم تستمرّ الفرحة العلنيّة في تل أبيب، والمكتومة في واشنطن، سوى ساعات. إذ سرعان ما وجّهت طهران رسالة إلى مدير «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، رافايل غروسي، تعلن فيها خطوتها غير المسبوقة في تاريخ برنامجها النووي. ومثَّل قرارها هذا ارتقاءً لم يسبق أن اقتربت منه على المستوى العملي، بعدما أوهم المسؤولون الإسرائيليون أنفسهم بأنهم استطاعوا النيل من برنامج إيران النووي عبر تعطيل أحد أهمّ مفاصله في نطنز. وبات السؤال الملحّ في مرحلة ما بعد نطنز: كيف سيتدحرج هذا المسار إذا كابَرت الجهات الدولية، وتمسّكت بسقف عدم تلبية مطالب طهران رفْع العقوبات الاقتصادية عنها؟
هَدَفَ قرار إيران المسارعة إلى البدء بتنفيذ رفْع مستوى التخصيب، بالدرجة الأولى، إلى إحباط الهدف الرئيسيّ المباشر للعملية بتعطيل عملية التخصيب في نطنز، ودفْعِ البرنامج النووي الإيراني خطوات إلى الوراء؛ وإلى تبديد آمال ورهانات مَن اتّخذوا القرار ووافقوا عليه، ومنحوا العمليّة الضوء الأخضر. وبالتوازي، أَسقط الإعلان الإيراني، أيضاً، مقولة إن أجهزة الطرد قد توقّفت عن العمل في نطنز، وتبخّرت معه الروايات والتقديرات التي تحدّثت عن حاجة طهران إلى 9 أشهر قبل العودة إلى التخصيب، وثبّت، في المقابل، بشكل ملموس، صحّة ما أعلنته إيران رسمياً، عن أن عملية التخريب أَلحقت أضراراً محدودة يمكن تدارُكها، وبما هو أكثر تطوُّراً وسرعة وتأثيراً. لكن ما ليس واضحاً هو الوقت الذي ستحتاج إليه الجهات ذات الصلة للاستدارة وإعادة تصويب تقديراتها وتصحيح المعطيات التي ضخّتها لدى الرأي العام الإسرائيلي والعالمي.
الواضح أن القرار الإيراني أحبط الرهان الأميركي ــــ الإسرائيلي على سلب الجمهورية الإسلامية إحدى أهمّ أوراق الضغط التي بيدها على طاولة المفاوضات في مواجهة العقوبات الاقتصادية، ومنَع بذلك الطرفين الأوروبي والأميركي من تثمير الحادثة. وتجاوزت طهران ذلك أيضاً، بالارتقاء إلى مرحلة تعزيز موقعها التفاوضي، إثر تفعيلها أوراقاً كانت موضوعة على الرفّ في انتظار الوقت المناسب. وهكذا، بدلاً من أن تكون إيران في موقع مَن يتعرّض للضغوط والمطلوب منه تقديم التنازلات، تحوَّلت الأطراف الدولية المقابِلة إلى مَن يتلقّى الضغوط أيضاً، بعدما فرضت طهران أجندة جديدة على طاولة المفاوضات، وبموجبها ستَجد الدول الأوروبية نفسها معنيّة بمطالبة الإيرانيين بالتراجُع عن السقف الجديد إلى ما كانت عليه الحال قبل حادثة نطنز، وفي المقابل سيكون للإيراني ردّه ومطالبه المضادة.

ما جرى يشكّل تجسيداً ناجحاً لمفهوم تحويل التهديد إلى فرصة، والذهاب في تثميرها إلى أبعد من خيال الذين قرّروا ونفّذوا عملية نطنز. والمفارقة، أن موقع إيران على طاولة المفاوضات أصبح أقوى ممّا كان عليه قبل الحادثة، وإذا ما أريد التحدّث بصيغة الحدّ الأدنى، فالعملية ولّدت قدْراً من التوازن الإيجابي لمصلحة طهران. وفي هذا السياق، قد يكون مفيداً الاستئناس بسابقة رفْع إيران تخصيب اليورانيوم إلى درجة 20% عام 2010، من أجل تقدير أدقّ لمفاعيل رفعه إلى 60%. في حينه، اضطرّت الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى تخفيض سقف مطالبها والتسليم بأغلب ثوابت الجمهورية الإسلامية، وهو ما أدّى، في نهاية المطاف، إلى توقيع الاتفاق النووي في عام 2015. وبالتوازي، اضطرّت إسرائيل إلى التسليم، عمليّاً، باتفاق رأت فيه قيادتها السياسية خطراً على مستقبل الأمن القومي الإسرائيلي، بعدما لوَّحت وهدَّدت بالتفرُّد بخيارات عدوانية ضدّ المنشآت النووية الإيرانية، حتى بَدَت في بعض المحطّات كما لو أنها على وشك الهجوم.
في البعد الإسرائيلي، لن يطول الوقت حتى ينقلب المشهد السياسي والإعلامي في كيان العدو، الذي احتفل، أوّل من أمس، بعملية نطنز. وسيتحوّل الخطاب الإعلامي، الذي قدَّم العملية التخريبية على أنها إنجاز نوعي لإسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة، إلى الإقرار بأن إيران نجحت في توظيف تقدير خاطئ لمؤسّسة القرار في تل أبيب، في اتجاه دَفْع برنامجها النووي خطوات إلى الأمام. ولن يكون مفاجئاً إذا ما طُرحت تساؤلات حول نجاعة آلية صناعة القرار السياسي والأمني التي اعتُمدت في اتّخاذ قرار عملية نطنز، وما إن كان تمّ عرض سيناريو يتضمّن إمكانية عدم تحقيق العملية أهدافها كافة، ورفْع إيران مستوى التخصيب إلى 60%، ضمن مروحة المخاطر المحتملة والمرجّحة، وردود الفعل التي يمكن أن تلجأ إليها طهران، وما إن استُبعد هذا الاحتمال ولماذا؟ وما هي الخيارات البديلة والمضادّة التي عُرضت على طاولة القرار في حال تَحقّق مثل هذا السيناريو؟
يبدو أن مؤشّرات التحوّل في الخطاب الإعلامي في إسرائيل بدأت تلوح، بعدما رفعت «القناة 12» في التلفزيون الإسرائيلي الصوت مطالبةً بتوضيح الموقف: «بعد الانفجار في نطنز، سمعنا أقوالاً مِن مِثل أن إيران عادت سنوات إلى الوراء. وبعد اغتيال فخري زادة، سمعنا أن الكثير من المعلومات نزلت معه إلى القبر، وأمس سمعنا عن تأخير لمدّة 9 أشهر للبرنامج النووي الإيراني، واليوم سمعنا تصريح (إيران) عن رفع التخصيب إلى 60%. إذاً، هناك، على ما يبدو، مَن لا يقول الحقيقة».