توحي مختلف المؤشّرات أن لبنان على موعد، في الأيام المقبلة، مع ما بات يعرف عنه بـ"الإرتطام الكبير"، أيّ الإنفجار الإجتماعي المرتبط بتوقّف ​مصرف لبنان​ عن دعم السلع الأساسيّة، أبرزها ​المحروقات​ و​الدواء​ كون ذلك المتعلّق بالغذاء لا يصل أصلاً إلى المواطنين، الأمر الذي يدفع بالكثيرين بالسؤال عن الأسباب التي تحول دون المعنيين على المستوى السياسي من القيام بالخطوات المطلوبة لتفادي ذلك؟.

في هذا السياق، بات من المسلّم به أنّ المعنيين بالملف الحكومي بشكل أساسي، أي ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​ ورئيس ​الحكومة​ المكلف ​سعد الحريري​، ليسا بقادرين على الخروج من الدائرة المقفلة التي وضعا نفسهما فيها، فلا عون قادر على دفع الحريري إلى الإعتذار، ولا الثاني قادر على ​تحقيق​ "حلمه" بتمرير صيغة حكوميّة يكون فيها مُطلق اليدين، ما يعني أنّ المخرج، مهما طالت ​الأزمة​، سيكون بالإتّفاق بينهما بالدرجة الأولى.
في المقابل، لا يمكن تجاهل المؤثرات الخارجيّة لهذه الأزمة، التي يحضر فيها مجموعة من اللاعبين الإقليميين والدوليين، بدليل رهان مختلف القوى المحلّية على التحوّلات التي من الممكن أن تحصل على مستوى المنطقة أو العالم، من الإنتخابات الرئاسيّة الأميركيّة التي فاز فيها الرئيس جو بايدن، إلى المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول الملفّ النووي، وصولاً إلى الحديث عن الفيتو السعودي على تمثيل "حزب الله".
إنطلاقاً من ذلك، لدى بعض الأوساط السّياسية قناعة بأنّ المياه الراكدة تحتاج إلى حدث كبير يحرّكها، في العادة يكون أمنياً لكن هذه المرة قد يكون إقتصادياً، يدفع مختلف الأفرقاء، المحليين والخارجيين، إلى البحث عن التسوية المنتظرة، بغض النظر عن شكلها، خصوصاً أن الأجواء على مستوى المنطقة توحي بأنّ موعد الوصول إلى تسويات لم يعد بعيداً، في ظلّ المفاوضات والمشاورات القائمة على أكثر من صعيد، إلا أنّ المفارقة في الحالة اللبنانيّة تكمن بعدم القدرة على الإستمرار طويلاً في حالة الإنتظار.
تشبه هذه الأوساط، في حديث لـ"النشرة"، الواقع المحلي بالسباق بين التسوية والإرتطام، الذي يلعب فيه عامل الوقت دوراً أساسياً، وترى أن كل السيناريوهات مفتوحة في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن الجميع يبدو في وارد لعب كل أوراق قوته، الأمر الذي يُفسر الكمّ الهائل من الملفّات الخلافيّة التي تفتح من دون أن تظهر لها أيّ نتيجة واضحة، نظراً إلى أنّ الجميع يريد أن يحسّن شروطه في عمليّة التفاوض المنتظرة، أو إستعجال تنازل الفريق الآخر.
ضمن هذا الإطار، تُفسر الأوساط نفسها القرار السعودي المتعلّق بإستيراد الفواكه والخضار من لبنان، نظراً إلى أنّ مثل هكذا قرار لا يمكن أن يوضع إلا في سياقه السياسي بعيداً عن التبريرات الأمنيّة التي قدّمتها الرياض، وتعتبر أنّه خطوة من سلسلة خطوات تصعيديّة هدفها زيادة الضغوط لإستعجال التسوية مع طهران، خصوصاً أنّ التسريبات، التي رافقت المفاوضات بين الجانبين في العراق، تحدثت عن حضور الملفّين اليمني واللبناني.
بناء على ما تقدم، تشير الأوساط السياسية إلى أن "الإرتطام الكبير"، في حال حصوله قبل الوصول إلى أيّ تفاهمات، قد يكون هو الباب الذي يفتح المجال أمام البحث عن الحلول المنتظرة، لا سيما في ظلّ الحديث الدائم عن حرص بعدم السماح بالإنهيار الشامل على الساحة اللبنانية، بدليل ما ينقل عن رسائل خارجية تبلغتها العديد من الشخصيّات اللبنانيّة بضرورة تحضير نفسها لمرحلة ما بعد توقف الدعم، نظراً إلى أن المسارات التفاوضية الإقليميّة لا يمكن أن تظهر نتائجها خلال شهر واحد.
في المحصّلة، تلفت هذه الأوساط إلى أنّ ذلك يعني أنّ الأفرقاء المحليين لا يريدون الوصول إلى التسوية إلاّ بثمن كبير يدفع ثمنه جميع الموطنين، بينما كلما كان الوصول إليها أسرع كانت الخسائر أقل، نظراً إلى أنّ مرحلة إعادة البناء لن تكون سهلة، بل على العكس من ذلك ستكون صعبة جداً وستحتاج إلى سنوات.
​​​​​