لا وجود للنّرجسيّة السّياسيّة كعلمٍ مُحدّدٍ ومفهومٍ سُلوكيٍّ واضح الدّلالة علميًّا... ولكن من النّاحية العمليّة، ثمّة الكثير مِن الشّواهد على نرجسيّةٍ "مُغلّفةٍ" بالـ"كيديّة السّياسيّة"، مع الإِشارة إِلى الاختلاف في المفهوم بين العبارتَيْن، بيد أَنّنا في لُبنان نُحسن المزج بين "شعبان" و"رمضان"!...

فالنّرجسيّة تحديدًا تعني "حُبّ النّفس أَو الأَنانيّة، وهو اضطرابٌ في الشّخصيّة حيث تتميّز بالغُرور، والتّعالي، والشُّعور بالأَهميّة ومُحاولة الكسب ولو على حساب الآخرين". والكلمة منسوبةٌ إِلى أُسطورةٍ يونانيّةٍ، ورد فيها أَنّ "نركسوس كان آيةً في الجمال، وقد عشق نفسه حتّى الموت"، عندما رأى وجهه في الماء.
وفيما يُعرف عِلم السّياسة (بالإِنكليزيّة: Political science) بأَنّه العلم الّذي يهتمّ بدراسة الأَنظمة الحُكوميّة والسّياسيّة، وسُبل تنافُس الأَشخاص على السّلطة، وتوظيفها لحُكم البلاد، حيث يهتمّ عِلْم السّياسة بالمسائل السّياسيّة المُتعلّقة بالقانون والعلاقات الدّوليّة، والسّلوكات والنّظريّات السّياسيّة، إِضافةً إِلى الإِدارة والقانون العامَّين...
وحين يُحكى عن "توظيف علم السّياسة لحُكم البلاد"، ففي ذلك تلميحٌ إِلى الحُكم الصّالح، والعمل مِن أَجل الصّالح العامّ، وتاليًا ثمّة غمزٌ مِن قناة القيمة الإِنسانيّة، خلافًا لحُبّ النّفس والأَنانيّة المُشار إِليهما في تحديد النّرجسيّة...
وفيما يغيب مُصطلح "النّرجسيّة السّياسيّة" عن الأَبحاث والمقالات... فقد تحدّث كريستيان جاريت، وهو صحافيّ علميٌّ، في مقالةٍ له بتاريخ 13 آذار 2017، عن سُبل مُواجهة "النّرجسيّة الجماعيّة": سياسات دول ​العالم​؟...
و"النّرجسيّة الجماعيّة" أَمرٌ مُختلفٌ تمامًا؛ فهي تتعلّق بإِظهار المرء إِيمانًا مُبالغًا فيه، بتفوّق المجموعة الّتي ينتمي إِليها، سواء أَكانت عصبةً أَم جماعةً تعتنق دينًا واحدًا، أَم تنتمي إِلى وطنٍ واحدٍ. ولكنّ هذا الإِيمان المُبالغ فيه يقترن بشكوكٍ يُكِنّها المرء في قرارة نفسه في شأن مكانة هذه الجماعة، ولذا يتوق إِلى نيل الاعتراف بتلك المكانة من الآخرين...
وهذا تحديدًا، ما يُحكى في أَروقة غالبيّة المراكز الحزبيّة في لُبنان، بيد أَنّ ما يُحكى خلال الحركات الاحتجاجيّة مثلًا مُغايرٌ بالكامل لما يُحكى في الإِطار الحزبيّ الضيّق، وإِن كان مُغلّفًا بنرجسيّةٍ مقرونةٍ بمفهومٍ خاطئٍ للعمل السّياسيّ، وللقيم الوطنيّة ولمبدأ المُواطَنة بين أَبناء الشّعب الواحد...
لذا تنصبّ "الشّتائم" خلال الحركات الاحتجاجيّة في لُبنان، على أَسماء محدّدةٍ، مع إِنّ النّرجسيّة ليست انتقائيّةً بل هي تحمل بُذور الأَنانيّة بالمُطلق. ولكنّ "المصلحة السّياسيّة" تقتضي التّركيز على جهةٍ مُحدّدةٍ يتمّ تناولها بكيل الشّتائم والاتّهامات والافتراءات وإِظهار أَنّ كلّ ما قامت به هذه الجهة هو مُجرّد أَخطاءٍ واختلاساتٍ... وإِن كان الشّعار-الكليشيه المرفوع احتجاجيًّا هو: "كلّن يعني كلُّن"!؟...
وقد يكون مِن المُفيد إِعطاء أَمثلةٍ مِن خارج لُبنان، في الحديث عن "النّرجسيّة الجماعيّة" في السّياسة، إِذ قد يسعى السّاسة على طرفَيْ أَيّ نقاشٍ سياسيٍّ، إِلى اللعب على وتر "النّرجسيّة الجماعيّة" هذا، على نحوٍ أَو آخر. فقد يكون دُعاة الخروج من الاتّحاد الأُوروبيّ في ​بريطانيا​ مثلًا، قد عزفوا على هذا الوتر الحسّاس مع المُتّصفين بهذه السّمة، حينما تحدّثوا عن استعادة "حقّ بريطانيا المشروع والعادل في السّيادة و​الاستقلال​".
ولكنّ الجانب المُؤيّد للبقاء في فلك الاتّحاد الأُوروبيّ، ربما يكون قد أَدرك بدوره الحاجة إِلى استمالة النّاخبين ممن يُفكرون بالعقليّة نفسها. وفي هذا الإِطار ينبغي الأَخذ في الاعتبار التّعبيرات الّتي تستنفر الرّوح الوطنيّة، الّتي استخدمها رئيس الوزراء البريطانيّ حينذاك دافيد كاميرون، في سياق استعراضه للأَسباب الّتي حاول من خلالها إِقناع النّاخبين بالتّصويت لمصلحة التمسُّك بعضويّة الاتّحاد الأُوروبي، عندما قال: "لا أَحسب أَنّ بريطانيا بلدٌ انهزاميٌّ في نهاية المطاف. أَعتقد أَنّنا نبقى ونُقاتل. هذا ما يتعيّن علينا فعله. ذلك ما جعل وطننا عظيمًا، وهي الطّريقة نفسها الّتي ستُبقيه عظيمًا في المُستقبل".
ويُؤكّد عددٌ من الباحثين أَنّ "النّرجسيّة الجماعيّة" قد تُذكي نيران العداء والكراهية بين الدّول، نظرًا إِلى أَنّ مَن يتّصفون بهذه السّمة يكونون أَكثر ميلا كذلك إِلى إِقرار أُمورٍ كالانتقام والأَخذ بالثأر، عندما يشعرون بأَنّ الجماعة الّتي ينتمون إِليها تعرّضت للإِهانة: دراسة نُشرت في العام 2016، وقد أَظهرت بنتيجتها الاختبارات أَنّ الأَتراك الأَكثر اتّصافًا بـ"النّرجسيّة الجماعيّة"، نزعوا إِلى اعتبار عدم السّماح لبلادهم بالانضمام إِلى الاتّحاد الأُوروبيّ "إِذلالًا" لوطنهم، بل أَعربوا في الوقت نفسه عن سعادتهم بالمصاعب الاقتصاديّة الّتي تُواجه الاتّحاد!.
ولا تجد غالبيّة الإِعلام في لُبنان، نفسها في منأًى عن الدُّخول في نفق "النّرجسيّة الجماعيّة"، وقد يكون عن طريق تجاهُل نتائجها بالنّظر إِلى "​المال​ السّياسيّ" والعائدات الضّخمة الّتي تُؤمّن استمرار الوسيلة الإِعلاميّة في الظُّروف الاقتصاديّة المُذريةفي لُبنان...
ومَن يجُل سريعًا في فضاء منصّات التّواصُل الاجتماعيّ، يخرج ولديه انطباعٌ بأَنّ النّرجسيّة تسود العالم... العالم الرّقميّ على الأَقلّ، حتّى بات "اقتفاء النّرجسية" أَشبه بنشاطٍ رياضيّ على وسائل التّواصل الاجتماعيّ الّتي هي بمثابة الموطن الطّبيعيّ لـ"جيل السّيلفي"!.