لفت متروبوليت ​بيروت​ وتوابعها للروم الأرثوذكس ​المطران الياس عوده​ في قداس الأحد في كاتدرائية القديس جاورجيوس في بيروت الى انه "مرت سنوات طوال والبلد يتخبط في مشاكله ومآسيه، والشعب مشلول، يدعم فقدان الأمل بحجج يظنها منطقية، كفكرة أن هذا الزعيم أو ذاك المسؤول سينتشل البلاد من الوضع الأليم، الوضع الذي لا يزال على حاله منذ عقود يتناسون أننا، في ​لبنان​، ليس لنا إنسان يرمينا في بقعة ضوء متى حل الظلام"، معتبرا أن "زمن الهامات ولى وأصبح كل مسؤول يبحث عن مصلحته الخاصة، أما مصلحة الشعب المقيم، أو المهاجر بسبب عدم مسؤولية المسؤولين، فلا أحد يهتم بها"، مشيرا الى أن "الشلل الفكري وصل بالقيمين على البلاد إلى حد المس بلقمة عيش شعب هرب منهم والتجأ إلى بلدان شقيقة ليعيش ويعيل من بقي من ذويه في لبنان. لو كان مسؤولونا متحررين من التخلع العقلي، لتعلموا من بعض الدول المحيطة التي سبقتنا كيف يعمرون بلدهم ويحولونه إلى منارة في الأخلاق والعمران و​الاقتصاد​ و​السياحة​، وكيف يجعلون من لبنان بلدا محترما، يحترم أبناءه الذين يعيشون حال شلل دائم فاقت سنوات المخلع الثماني والثلاثين، ويحترم نفسه أولا ولا يترك أي مجال، لأي كان، كي ينتهك كرامة البلد وأبنائه، كما حصل أخيرا مع المواطنين السوريين ​النازحين​ إلى لبنان هربا من بلادهم، الذين جابوا الشوارع مستعرضين علم بلادهم وصور رئيسهم، الذي أعادوا انتخابه، تحت أنظار المسؤولين والمواطنين. هل يقبل إخواننا السوريون أو غيرهم من الإخوة العرب أو الأجانب أن يجوب لبنانيون شوارع مدنهم منشدين ما يستفزهم، ورافعين راية بلدهم؟"

وسأل: "إلى متى يهان شعبنا من مسؤوليه؟ حتى متى يعيش أهلنا في قلق دائم غير عالمين متى يتزعزع استقرارهم بسبب ​انفجار​ يدمر حياتهم، أو بسبب شل مؤسساتهم وسرقة مدخراتهم، أو بسبب غريب أو جار يضمر لهم الحقد والشر، أو بسبب تصريح من هنا وموقف من هناك؟ ترى هل كنا بحاجة إلى الخضة الدبلوماسية التي أوقع لبنان فيها من يفترض به أن يكون رأس الدبلوماسية والأكثر دبلوماسية؟ هل نحن بحاجة إلى مزيد من العزلة عن ​العالم​ وعن محيطنا الذي استقبل أبناءنا حين هجرهم ما أوصلهم إليه الزعماء والمسؤولون؟ وهل يجوز أن ينقاد المسؤول بانفعاله؟ إرحموا البلد وأبناءه وحافظوا على ما تبقى من تلك الصورة الناصعة التي كانت للبنان، فوضى وانهيار وإخفاقات وسقطات وتعطيل مؤسسات. هل هذا هو لبنان الذي عرفناه وعرفه آباؤنا؟ تتراكم الأزمات ولا أحد يتحمل المسؤولية أو يحاول إيجاد الحلول. إلى أين تأخذون البلد؟ رحم الله رجال ​الدولة​ الكبار الذين صنعوا مجد لبنان، وبنوا مؤسساته، ودعموا أسس ديمقراطيته، واحترموا دستوره، وعرف كل واحد منهم حده فوقف عنده"، مشيرا الى أن "القامات التي صنعت للبنان ديبلوماسية رائدة تعكس صورته ووجهه الحقيقي، وجه الدولة الديموقراطية المتقدمة الراقية المنفتحة، وجه الدولة المتعددة الأديان، المؤمنة بالحوار، تلك التي لعبت دور الوسيط بين المتخاصمين ونجحت في تقريب المتباعدين، وشكلت جسر تواصل بين الشرق والغرب"، متسائلا "أين نحن من كل هذا وقد نشبت الخلافات بين حكامنا والمسؤولين، وهدرت ثروات البلد وأموال المواطنين، وسقطت القيم والمبادىء والقوانين، فإذا الإبتزاز السياسي سيد الموقف، والمنفعة الخاصة تعيق الإصلاحات الضرورية، وشبق ​السلطة​ والنفوذ يعطل ​تأليف​ حكومة نحن بأمس الحاجة إليها كي تتخذ التدابير الضرورية ليستقيم الوضع؟"
واضاف: "نحن في حاجة إلى دم جديد، إلى أشخاص إصلاحيين يضعون نصب أعينهم مصلحة البلد وخلاصه لا مصلحتهم ومصلحة أبنائهم. نحن نفتقر إلى القرار الشجاع ممن هدروا الوقت و​المال​ وعادوا بلبنان إلى الوراء وأوصلوه إلى ما وصل إليه وأخفقوا في كل ما قاموا به حتى الكارثة التي حلت ببيروت وأهلها لم يستطيعوا جلاء حقيقتها، وأخشى أن تكون هذه الحقيقة قد دفنت تحت ركام ​المرفأ​ وبيوت المواطنين المنكوبين الذين شردوا ومات أبناؤهم بسبب الجشع والطمع والتفرد والتسلط وعدم المسؤولية"، معتبرا أن "قوة الحاكم تكمن في قراره الصائب الحكيم المستند إلى إرادة الشعب وحاجاته"، لافتا الى أن "هدف ال​سياسة​ خدمة المجتمع لا استخدامه، وعلى كل من يتولى مسؤولية عامة أن يكون على اطلاع تام بكل ما يجري في نطاق عمله، وعلى بينة من حاجات الشعب وتطلعاته. ترى هل يعي المسؤولون الوضع الحقيقي لبلدنا؟ وهل يطلعهم من يحيط بهم من مستشارين ومساعدين على الحقيقة، كل الحقيقة؟ هل يصدقونهم القول أم يكتفون بكيل المديح لهم؟ هل يدركون أننا نعيش في شبه عصفورية كل فرد فيها يتكلم لغته ولا أحد يفهم لغة الآخر؟ هل يعون أن علينا صنع قدرنا بأيدينا وعدم انتظار نتائج المفاوضات والمحادثات وكل ما يجري حولنا، وعدم تعليق مصير البلد بأي عامل خارجي، لأننا وحدنا نعرف حاجاتنا ونستطيع، إن شئنا، أو إن صدقت النيات، معالجتها؟ شيء من التواضع والتضحية ضروري. ما يعقد الأمور التحجر الفكري والتقوقع والتعنت عوض الحوار والتلاقي. نحن بحاجة إلى ​البناء​ بعيدا من النزاعات المصلحية. وما زلنا نعول على الضمائر الحية والنيات الصافية، علنا نصل".
واشار الى أنه "في النهاية، نحن ليس لدينا إنسان يساعدنا، إنما لدينا رب يخلصنا، مضيفا: "هو أنقذنا من الموت بموته وقيامته، ومثلما شفى المخلع من شلله، كلنا أمل بأنه سيقيمنا من سرير الركود ومن يأس الظلم والعوز نصلي من أجل شفاء بلدنا من كل مرض وسقطة وشدة كما نصلي من أجل أن يمد الرب الإله يده وينتشل اللبنانيين من ظلام اليأس إلى ضياء الرجاء وكما يقول النبي داود في مزاميره: تشجعوا ولتتشدد قلوبكم يا جميع المتوكلين على الرب".