بينما يتبارى المسؤولون في الهجاء السياسي والشخصي المتبادل، تتفاقم يوماً بعد يوم عوارض «الانهيار المتحور»، الذي يتخذ مع الوقت أشكالاً مختلفة ويباغت ال​لبنان​يين في كل مرة بـ»طبعة معدلة».

فوق أنقاض ​الدولة​ و​الاقتصاد​ المتهالكين، يواصل البعض «ألعابه الصبيانية» في قاع الهاوية، ويستمر النزاع على فتات سلطة خاوية وعلى «حضانة» وزيرين «مكتومي القيد».

ومع انّ هناك خلطاً للأوراق في الإقليم حيث تعيد مكوناته المتنازعة تموضعها وتراجع حساباتها، كما يوحي التواصل المتجدد بين ​السعودية​ من جهة و​سوريا​ وايران من جهة أخرى، الّا انّ المكابرة لا تزال تطبع سلوك بعض اللاعبين المحليين الذين يبدو أنّ التقريب بينهم هو أصعب من التقارب بين دول وازنة في المنطقة!


واذا كانت دمشق و​الرياض​ قد استطاعتا العودة إلى ​طاولة الحوار​ على رغم عداوة الأعوام الأخيرة، واذا كانت ​إيران​ والسعودية قد عادتا الى التفاوض في الكواليس الدبلوماسية على رغم تضارب خياراتهما ومصالحهما الى حد المواجهة، فإنّ إعادة جمع ​الرئيس ميشال عون​ والرئيس ​سعد الحريري​ في حكومة جديدة او حتى في اجتماع ثنائي تبدو مهمة أصعب بكثير، لا يفوقها صعوبة سوى مد الجسور مجدداً بين الحريري ورئيس ​التيار الوطني الحر​ النائب ​جبران باسيل​.

وقد أتت «حرب البيانات» التي تجددت بعنف خلال اليومين الماضيين بالترافق مع تزخيم مبادرة الرئيس ​نبيه بري​ لتؤشّر الى حجم الهوة التي باتت تفصل ​قصر بعبدا​ عن ​بيت الوسط​، وهذا ما يدفع الى التساؤل المشروع عن فرَص ردم هذه الهوة في القريب العاجل، خصوصاً بعدما وصلت المواجهة بينهما الى درجة توجيه الإهانات والاساءات.

ومع انّ الاشتباك الاخير انزلق الى مستوى الضرب تحت الزنار، الا انّ المعلومات المستقاة من دوائر قريبة الى ​القصر الجمهوري​ تفيد بأنّ عون لا يزال ينتظر نتائج مسعى الرئيس نبيه بري، وهو يأمل في أن لا يخذله رئيس المجلس وان يتخذ في نهاية المطاف الموقف المناسب حيال الحريري في حال أصَرّ على عرقلة الحل، تماماً كما فعل البطريرك الماروني.

اما اذا أخفقت مبادرة بري، فإنّ السيناريو البديل يمكن أن يتمثّل في واحد من الاحتمالات الآتية:

- إعتذار الحريري الطوعي عن التكليف، وهو المخرج الذي يعتبره قصر بعبدا الأفضل والأسلم، أولاً بغية الخروج من المأزق الحالي وإتاحة المجال امام شخصية أخرى قادرة على ​تأليف​ حكومة، وثانياً حتى يأخذ رئيس ​تيار المستقبل​ فسحة لمعالجة مشكلته الاساسية الكامنة في مقاطعة السعودية له، بينما يوحي «المستقبل» في المقابل بأنّ ما بعد الاعتذار لن يكون كما قبله، ولذلك لا يريد رئيسه إطلاق هذه الخرطوشة الّا في التوقيت الملائم.

- الدعوة إلى حوار وطني برعاية عون لمعالجة الازمة الحكومية، وهذا خيار بات على الأرجح مستبعداً في حسابات ​رئيس الجمهورية​، لأنّ الحريري ورئيس حزب «القوات اللبنانية» ​سمير جعجع​ وربما لأنّ آخرين سيقاطعون الحوار، الأمر الذي سينسف جدواه.

- وضع اقتراح قانون بتقصير ولاية ​المجلس النيابي​ الحالي بالترافق مع ​استقالة​ نواب التيار الوطني الحر، وبالتالي الذهاب نحو إجراء ​انتخابات​ مبكرة، تليها تسمية شخصية سنية جديدة لتشكيل ​الحكومة​.

- يوجّه عون خطاباً استثنائياً الى اللبنانيين يصارحهم فيه بحقيقة الأسباب التي حالت دون ولادة الحكومة ب​رئاسة​ الحريري، على أن يسمّي الأشياء بأسمائها ويبوح بما يخفيه في هذا المجال بعدما كان يتكتّم على ما يعرفه تجنّباً لإضعاف معنويات من يُفترض انه سيكون رئيس حكومة لبنان، بحسب شخصية قريبة من رئيس الجمهورية.

وفي رأي تلك الشخصية انّ معركة الحريري ضد عون هي بدل عن ضائع، والغاية المستترة منها شَد عصبه داخل طائفته، وتغطية أزمته الحقيقية خارج لبنان، متسائلة عما اذا كان يجوز أن يدفع الشعب ثمن هذا النوع من الحسابات.

ويؤكد المطلعون انه وبمعزل عن طبيعة السيناريو الذي سيُعتمد لكسر دواّمة المراوحة في حال إخفاق مبادرة بري، فإنّ الأمر الثابت هو ان عون لن يتحمل البقاء من دون حكومة حتى إشعار آخر، خصوصاً ان الوقائع المتجمّعة لديه تُفيد بتعذّر الصمود حتى نهاية الصيف أمام مخاطر الانهيار الشامل ما لم تنطلق المعالجات المطلوبة للأزمة، الأمر الذي يستدعي التعجيل في تشكيل حكومة إنقاذ.