خلال الأسبوع الأوّل من شهر أيّار الماضي، تمّ عقد جولة جديدة من مُفاوضات ​ترسيم الحدود​ البحريّة بين ​لبنان​ و​إسرائيل​، وذلك بعد توقّف لأشهر طويلة(1). لكنّ الجولة الخامسة المَذكورة توقّفت من دون تحديد موعد للجولة السادسة، الأمر الذي تسبّب بتعليق مريب للمُفاوضات، وتاليًا بمزيد من التأخير على صعيد بدء لبنان بالإستفادة من ثروته النفطيّة والغازيّة في البحر(2). فهل من أمل بالعودة قريبًا إلى طاولة المُفاوضات في الناقورة، بعد إستلام الإدارة الأميركيّة الجديدة مُختلف ملفّاتها، وعشيّة التغيير الكبير المُنتظر على مُستوى السُلطة التنفيذيّة في إسرائيل؟.

بداية لا بُدّ من التذكير أنّ إسرائيل كانت إشترطت لمُعاودة المُفاوضات، أن ينحصر التفاوض غير المُباشر القائم بوساطة أميركيّة وبرعاية من جانب الأمم المُتحدة، بمساحة بحريّة تبلغ نحو 860 كيلومترًا مربّعًا، بحسب خريطة كانت قد أرسِلت في العام 2011 إلى الأمم المُتحدة. في المُقابل، رفع لبنان سقف مطالبه بعد إضافة مساحة تبلغ نحو 1430 كيلومترًا مربّعًا، وتشمل أجزاء من حقل نفطي تُسمّيه إسرائيل حقل "كاريش" وتعمل فيه شركة يونانيّة لصالحها. والطرح اللبناني الأحدث يُعرف بالخط 29، وهو يتناول مساحة إجمالية تبلغ 2290 كيلومترًا مُربّعًا، الأمر الذي ترفضه إسرائيل بالمُطلق، وتُطالب بحصر البحث في مساحة جغرافيّة أضيق بكثير تتراوح ما بين النقطة "بي 1" البريّة عند رأس الناقورة والنقطة 23 البحريّة والتي تعتمدها كلّ من إسرائيل وقبرص، للعودة إلى طاولة المُفاوضات.

تذكير أنّه على الرغم من قيام كلّ من رئيس حُكومة تصريف الأعمال حسّان دياب ووزيرة الدفاع ​زينة عكر​ ووزير الأشغال العامة والنقل ميشال نجّار، بالتوقيع على مرسوم يقضي بتعديل الحُدود البحريّة، فإنّ هذا المرسوم لا يزال يحتاج إلى توقيع رئيس الجُمهوريّة العماد ​ميشال عون​ حتى يُصبح ساري المفعول، الأمر الذي ترك الباب مفتوحًا جزئيًا للتفاوض وللمناورة من قبل الجانب اللبناني، طالما أنّ الرئيس لم يُوقّع المرسوم، بغضّ النظر عن التفسيرات القانونيّة التي أعطيت لتبرير عدم التوقيع.

لكنّ ترك الجانب اللبناني المُفاوض الباب مُفتوحًا، والذي يترافق مع رغبة الإدارة الأميركيّة الجديدة بإحداث خرق في هذا الملفّ، سيُقابله المزيد من التشدّد الإسرائيلي–بعكس ما يُروّج له البعض عن تفاؤل على خط مفاوضات الترسيم، وعن رغبة إسرائيليّة بالعودة إلى طاولة المُفاوضات. فالحكومة الإسرائيلية الجديدة التي ستستلم السُلطة رسميًا خلال الأيّام القليلة المُقبلة، ترغب بأن تُثبت للمُجتمع الإسرائيلي أنّها أكثر حرصًا على مصالح إسرائيل من رئيس الوزراء السابق ​بنيامين نتانياهو​، وأنّها أكثر تشدّدًا وحزمًا منه في التعامل مع خُصوم إسرائيل ومع أعدائها، ومع كل الملفّات المُرتبطة بالأمن الإسرائيلي وبالمصالح الإسرائيليّة الإستراتيجيّة وحتى التكتيّة.

في الخُلاصة، إنّ مُفاوضات ترسيم الحُدود البحريّة في الجنوب لا ترتبط بمدى دبلوماسيّة ونشاط الفريق الأميركي برئاسة جون ديروشر الذي كان لا يزال يتولّى حتى الأمس القريب الوساطة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي(3)، ولا بصلاحيّات الفريق اللبناني المفاوض برئاسة العميد الركن بسام ياسين وكذلك الفريق الإسرائيلي المُفاوض برئاسة إيهود أديري، إنّما ترتبط بتوازنات إقليميّة، وبحسابات وبمصالح إقليميّة ودَوليّة. لكنّ الأكيد أنّ تمسّك لبنان بسقف تفاوضي مُرتفع، سيُقابله تمسّك إسرائيلي بسقف أعلى لأسباب داخليّة، وهذا يعني أنّ المُفاوضات-في حال مُعاودتها في المُستقبل القريب، بجهود أميركيّة ودَوليّة، لن تصل إلى نتيجة، طالما أنّ أحدًا غير مُستعدّ لتقديم تنازلات قاسية. والحلّ الوحيد قد يكون بالإقرار أنّ المسألة ليست تخليًا عن حُقوق جغرافيّة، وإنّما يجب أن تكون عبارة عن تعامل براغماتي مع ملفّ حسّاس، بهدف وضع عمليّات إستخراج الثروة النفطيّة والغازيّة على السكة المَطلوبة لتحقيق المكاسب الإقتصاديّة والماليّة المَنشودة والمَوعودة، في أسرع وقت!.


(1) في العام 2018، وقّع لبنان أوّل عقد للتنقيب عن الغاز والنفط في رقعتين من مياهه الإقليميّة، إحداها تقع في منطقة حُدوديّة مُتنازع عليها مع إسرائيل، وتُعرف بإسم البقعة رقم 9.

(2) كانت مُتوقّفة منذ تشرين الثاني من العام 2020.

(3) تمّ تعيينه أخيرًا قائمًا بأعمال السفارة الأميركيّة في قطر.