لا شيء في الأفق يوحي بقرب الانفراج السياسي والذهاب في اتجاه تأليف حكومة تضع حداً للانزلاق المتسارع للاوضاع الاقتصادية والمعيشية نحو الهاوية، لا بل العكس فان ما هو متوافر من معطيات يشي بأن ​الأزمة​ الراهنة لا أفق لها وهي مفتوحة على كل الاحتمالات التي أحلاها مرّ.


فالنكد السياسي والعناد يكبلان مساعي التأليف، وعجلة ​الاتصالات​ والمشاورات شبه متوقفة، ونافذة الخارج تجاه ​لبنان​ مغلقة، والناس في حالة ضياع كبير، حيث يقضون معظم اوقاتهم بحثاً عن ​مواد غذائية​ مخبأة في مخازن ​التجار​ – الفجار، او في الطوابير على ​الطرقات​ بانتظار الحصول على بضعة ليترات من ​المحروقات​. وبالرغم من هذا المشهد «المقيت» فإن المسؤولين صم بكم عمي، يتقاتلون على تقاسم «الجبنة العفنة» غير آبهين بحياة الناس ومستقبل أولادهم وانتشال البلد من الغرق المحتم بعدما وصل إلى آخر الدرك.


وبالرغم من ان رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ حدد سقفاً زمنياً لمبادرته بأسبوعين، فان المراوحة الحكومية بقيت سيدة الموقف، وسط استمرار تقاذف التهم بالتعطيل بين اولياء الامر بهذا الشأن وتقاذف الكرة بين هذا الملعب السياسي وذاك، فالرئيس المكلف ​سعد الحريري​ ينقل عنه زواره انه ما زال على موقفه والتزاماته التي ابلغها لرئيس المجلس، وانه ليس في وارد الخضوع للضغط والابتزاز، وفي المقابل فإن المصادر تؤكد ان ​رئيس الجمهورية​ وفريقه السياسي ما زالا على موقفهما لجهة حقه في تسمية الوزيرين المسيحيين، وهو ما يجعل الوضع الحكومي يدور في حلقة مفرغة وقاتلة، علماً بأن كل الاطراف تبدي قناعة بأن مبادرة الرئيس بري التي تحظى بمباركة دولية وعلى وجه الخصوص فرنسية، هي الفرصة الأخيرة، وحبل النجاة لانقاذ البلد مما يتخبط فيه، حيث إنه وبمجرد الاتفاق السياسي وتشكيل حكومة تخطو الخطوة الأولى باتجاه الاصلاحات فان ​المجتمع الدولي​ سيفتح خزائنه لتقديم الدعم للبنان، وهذا ما اعلنه بالأمس ​البنك الدولي​ انه وبمجرد تأليف حكومة سيسارع إلى تقديم المساعدة، غير ان هذه الصرخة للبنك الدولي لم يستجب احد اليها اقله حتى هذه اللحظة.


مبادرة بري تصطدم بتضييع متعمّد للوقت... والمبادرة الفرنسية أصبحت اسماً على غير مسمى

وفي هذا السياق، تؤكد مصادر سياسية عليمة ان المعضلة في عدم تأليف ​الحكومة​ تكمن عند الكراهية المتبادلة بين رئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​ والرئيس المكلف سعد الحريري والوزير ​جبران باسيل​ بينهما، وطالما ان ​الرئيس عون​ والحريري لم يبدلا ما في نفسيهما فإنه لن يتغير اي شيء, وبذلك سنكون امام مرحلة طويلة من المراوحة، مع ما يرافقها من انهيارات متتالية على كل المستويات النقدية والاقتصادية والمعيشية.


وتلفت المصادر إلى ان كل المبادرات والوساطات والتمنيات التي حصلت في اتجاه ​قصر بعبدا​ و​بيت الوسط​ لم تنفع بشيء.


وحول المبادرة الفرنسية ومبادرة الرئيس بري تقول المصادر ان المبادرة الفرنسية احبطت وصارت اسم على غير مسمى، ومبادرة رئيس المجلس لا تزال تصطدم بتضييع متعمد للوقت، فالرئيس المكلف يبدي ليونة حيال ما طرحه عليه صاحب المبادرة خلال اللقاء الذي جمعهما في مقر الرئاسة الثانية، أما الرئيس عون فما زال على موقفه من تسمية الوزيرين المسيحيين، اضافة إلى انه لن يبيع الرئيس بري اي نوع من الفضل في حل الأزمة، مشددة على ان مبادرة الرئيس بري لا تزال هي الطريق الاسلم للحل، ومن يعطلها فانه لا يريد الوصول إلى الحل.


وأمام هذا المشهد السياسي السوداوي، ما هو مصير الحكومة العتيدة؟ تسارع المصادر إلى القول: إن الحكومة هي اليوم اشبه بحبة رمل ضائعة في ​صحراء​، وهي ستبقى كذلك ما دام هناك هجرة متعمدة للسياسيين عن واقع البلد الذي بات لا يطاق، وما دامت هناك مراهقات صبيانية تتحكم بمصير البلد والناس.


وعندما تسأل المصادر عن مصير التأليف طالما مبادرة الرئيس بري التي اعتبرت الفرصة الأخيرة وحبل النجاة قد وصلت إلى الحائط المسدود، فإنها تؤكد ان استمرار بقائها على قيد ​الحياة​ يبقى ضرورة لابعاد الانهيار الكامل قدر الامكان، على الرغم من اقتراب انتهاء المهلة التي حددها رئيس المجلس لمبادرته، علماً ان رئيس الجمهورية يتحدث في الغرف المغلقة من القصر انه في حال اعلن عن فشل مبادرة الرئيس بري فإنه سيلجأ إلى اتخاذ خطوات يعتبرها انقاذية من دون ان يفصح عن ماهية هذه الخطوة، وما إذا كانت ستلقى قبولاً من كل الأطراف، كون ان اي حل لأي ازمة يحتاج إلى تفاهم وتوافق غالبية القوى السياسية.