طالما لم نصل في لبنان إلى مَفهوم المُواطنيّة، وإلى مرحلة إلغاء الطائفيّة والمذهبيّة من النُفوس قبل إلغائها من النُصوص، فإنّ اللغة الدينيّة وحساباتها ستبقى هي السائدة. ومن هذا المُنطلق، لا يزال لبنان يشهد تفاهمات سياسيّة وأخرى مذهبيّة ضمن الطائفة الإسلاميّة، في مُقابل إستمرار التشرذم المسيحي وإحتدامه أكثر فأكثر مُقارنة بما كان الواقع عليه في الماضي القريب والمُتوسّط!.

نعم، إنّ إجتماع رؤساء الأحزاب الدرزيّة الثلاثة، أي كلّ من رؤساء أحزاب "التقدّمي الإشتراكي" وليد جنبلاط، و"الديمقراطي اللبناني" طلال أرسلان، و"التوحيد العربي" وئام وهّاب، يوم السبت الماضي، لم يتمّ لأنّ هذه القيادات مُوحّدة على مشروع سياسي وطني، بل إنطلاقًا من أهداف بخلفيّات مذهبيّة، تتمثّل بتنقية الطائفة الدُرزيّة من شوائب إشكالات سابقة، ومنع الفتنة بين أبنائها، بالتوازي مع التوافق على عدم إستضعافها ضُمن التركيبة السياسيّة اللبنانيّة، وبالتالي التوافق بين "قياداتها" على تقاسم الحصص المُخصّصة لها، في الحُكومة المَوعودة وضُمن الدولة عُمومًا، وُصولاً إلى الدفاع عن أيّ شخصيّة تنتمي إليها، حتى ولوّ كانت موقوفة بتهم قضائيّة. وعلى الرغم من أنّ جنبلاط لا يزال هو الأقوى ضمن طائفته، إلا أنّه يقوم بانعطافات دَوريّة ويُقدّم تنازلات خلال أكثر من محطّة، وذلك لإستيعاب خُصومه، وللحفاظ على نُفوذ طائفة المُوحّدين، بمُوازاة الإحتفاظ بدوره القيادي.
وبالإنتقال إلى القيادات السياسيّة ضُمن الطائفة الشيعيّة، فإنّ التنسيق بين "حزب الله" و"حركة أمل" كامل ومُستمرّ، ومُعالجة أيّ إشكالات بين المُناصرين –حتى الرقميّة منها على صفحات التواصل الإجتماعي، تجري بشكل فوري. أكثر من ذلك، إنّ العمل السياسي المُنسّق بين "الحزب" و"الحركة"، وتوزيع الأدوار بشكل دائم بينهما- ناهيك عن إمتلاك السلاح وتدريب عشرات آلاف المُقاتلين، مكّنهما من فرض ما بات يُعرف بإسم "الشيعيّة السياسيّة"، وذلك بعد إضمحلال زمن "المارونيّة السياسيّة" منذ "إتفاق الطائف" حتى اليوم، وبعد فشل المشروع الإقتصادي–المالي الذي بسط "الحريريّة السياسيّة" في مرحلة من مراحل تاريخ لبنان الحديث. واليوم، لا يُمكن أن يمرّ قانون إنتخابي، أو تشكيل حُكومة، أو إنتخاب رئيس جديد للجُمهوريّة، من دون مُوافقة "الثنائي الشيعي". وحتى في خضّم الأزمة الحُكوميّة، فرض هذا "الثنائي" حصّته وحقائبه في الحُكومة المَوعودة، من اللحظة الأولى. ويلعب اليوم رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، بغطاء ودعم كاملين من أمين عام "حزب الله" السيّد حسن نصر الله، دورًا مركزيًا في عمليّة تأليف الحُكومة، وذلك من خارج الدُستور الذي يحصر هذه العمليّة نظريًا برئيس الحكومة المُكلّف بالإتفاق مع رئيس الجمهوريّة.
بالنسبة إلى القيادات السياسيّة ضُمن الطائفة السنيّة، وعلى الرغم من الإنقسامات في ما بينها ومن تعدّد القيادات ضمنها، إنّ أيّ خلاف لبناني يطال صلاحيّات رئيس الحكومة، إن خلال مرحلة التكليف أو خلال مرحلة الحُكم، يشهد تلقائيًا دفاعًا حازمًا من جانب كل أقطاب الطائفة، بغضّ النظر عن توجّهاتهم السياسيّة. والدفاع عن "تيّار المُستقبل" الذي لا يزال الأوسع تمثيلاً ضُمن بيئته-على الرغم من التراجع الشعبي الذي أصابه، لا ينحصر بقيادات "التيّار الأزرق"، بل يشمل "دار الفتوى" و"رؤساء الحُكومات السابقين" وشخصيّات مُستقلّة، إلخ. وحتى الفريق السنّي الأقلويّ المَحسوب على "محور المُقاومة" والذي يستفيد من دعمها، لا يُفرّط بموقع الطائفة وبالصلاحيّات المَمنوحة لها، ولا يعمل على إضعاف رموزها، على الرغم من التنافس السياسي والمصلحي المَشروع معهم. وهذا الواقع، سمح بضرب وبإفشال حكومة الدُكتور حسّان دياب منذ لحظة تشكيلها، وهو الذي أبقى رئيس "تيّار المُستقبل" رئيسًا مُكلّفًا للحكومة، على الرغم من مُرور أشهر طويلة من التعثّر على خطّ التشكيل.
أمّا في ما خصّ الطائفة المسيحيّة، الإنقسام الذي كان سياسيًا بعد حقبة العام 2005، إزداد حدّة في السنوات القليلة الماضية، إلى درجة أنّه يصعب إيجاد فريقين مسيحيّين مُتفاهمين ولوّ بالحدّ الأدنى. فعلى مُستوى القوى الرئيسة، التشرذم بين "التيّار الوطني الحُرّ" و"حزب "القوّات اللبنانيّة" بلغ ذروته مُجدّدًا، حيث أعيد فتح دفاتر الأيّام السوداء التي تعود إلى أكثر من ثلاثة عُقود، في حقد مُتبادل ومُتوارث من جيل إلى جيل. حتى التفاهم بين "التيّار" و"القوات"، والذي وصفه خُصومهما بالمصلحي والحصصي، على الرغم من تأكيد "القوات" أنّه تمّ أساسًا على نقاط سياسية علنيّة وواضحة المعالم جرى التنصّل منها لاحقًا، سقط سريعًا. وجاء الردّ "القوّاتي" مُحاربة شرسة للعهد الرئاسي ككل، ردًا على مساعي الإقصاء والتهميش والتحجيم. أكثر من ذلك، سقط ما كان يجمع كلّ من حزبي "القوات" و"الكتائب" ومن تيّاري "الوطني الحُرّ" و"المردة"، على مُستوى الخط السياسي العريض، وصار كل حزب وتيّار في خُصومة مع كل الآخرين. وواقع الحال بين هذه الأحزاب والقوى المسيحيّة الحزبيّة والسياسيّة الأخرى، والشخصيّات المسيحيّة التي تصف نفسها بالمُستقلّة، ليس أفضل على الإطلاق. فالإنقسام والتشرذم هو سيّد الموقف، والتهجّم المُتبادل هو الطبق اليومي، ومُحاولات الإلغاء هي السياسة السائدة. وكل ما سبق جعل دور الطائفة المسيحيّة مُهمّشًا، وأدخل اليأس إلى نُفوس المسيحيّين بالتحديد، بنسبة تفوق بأضعاف تلك التي يُعاني منها كلّ اللبنانيّين من دون إستثناء.
في الختام، صحيح أنّه لا يُمكن وقف الإنهيار الحاصل، أو على الأقل إبطاء سرعته، إلا عبر تسويات وتفاهمات عابرة للطوائف، لكنّ الأصحّ أنّ التشرذم المُدمّر على مُستوى الطائفة المسيحيّة، جعلها في موقع الضعيف والعاجز أمام ما يتمّ تركيبه من تفاهمات مُقابلة، ومن إتفاقات وتسويات من تحت الطاولة ومن فوقها. وربما قد فات الأوان لإستدراك القيادات المسيحيّة هذا الواقع، تمهيدا لتغييره، ولم يعد من السهل إصلاح ما حدث من تفرقة، وما تراكم من أحقاد، في ظلّ تراشق أزلي-أبدي للإتهامات بتحمّل مسؤوليّة ما حصل ويحصل!.