سُؤَالان اثنان، برزا خلال الأُسبوع الفائت، في شأن سدّ النّهة، المُتنازَع عليه بين إِثيوبيا مِن جهةٍ، وكُلٍّ مِن مصر والسّودان مِن جهةٍ ثانيةٍ. الأَوّل مفادُه: ما حقيقة ما يُحكى عن سرٍّ في سدّ النّهضة؟... وأَمّا الثّاني فهو: هل مِن سبيلٍ للتّعاون المُشترك بين الدّول الأفريقيّة الثّلاث انطلاقًا من السدّ؟...


السرّ–الصّدمة

وفي الإِجابة عن السُّؤال الأَوّل، أَعلن خبير ​المياه​ المصريّ عبّاس شراقي، أَنّ صورًا التقطتها أَقمارٌ صناعيٌّة "كشفت عن سرٍّ" في سدّ النّهضة، على رُغم إِعلان الحُكومة الإِثيوبيّة الملء الثّاني للسدّ .وقال شراقي عبر صفحته على "فيسبوك": "في مُقارنة صورة بُحيرة سدّ النّهضة الآن، مِن الأَقمار الصّناعيّة، بصورةٍ نموذجيّةٍ للبُحيرة عند منسوب 573 مترًا، فوق سطح البحر، باستخدام بيانات نموذج الارتفاع الرّقميّ (Digital Elevation Model, DEM) ، نجد أَنّهما مُتطابقتان، ما يُؤكّد أَنّ التّخزين الثّاني، هو 3 مليارات مترٍ مكعبٍ، عند منسوب 573 مترًا بإِجماليّ 8 مليار مترٍ مكعبٍ". وتابع: "لذلك لم يذكر أَيّ مسؤولٍ إِثيوبيّ حتّى الآن حجم التّخزين الحقيقيّ لهذا العام حتّى لا تكون صدمة للإِثيوبيّين الّذين يعتقدون أَنّ التّخزين 13،5 مليار مترٍ مكعبٍ هذا العام". وقال: "أَوّل صورة للتّخزين الثاني غير المُكتمل، يظهر فيها وصول البحيرة عند منسوب 573 مترًا وهو ما يُعادل إِجمالي 8 مليار مترٍ مكعبٍ، وتظهر الزّيادة المحدودة لبحيرة السدّ نتيجة حجز 3 مليار مترٍ مكعبٍ فقط، مُنذُ بدأَ التّخزين خلال الفترة 4-19 تمّوز 2021، ويظهر تدفُّق الفيضان أَعلى الممرّ الأَوسط، ما اضطُرّ إِثيوبيا إِلى سحب كُلّ المعدّات وإِعلان انتهاء التّخزين لهذا العام". وتابع: "لن يبدأَ أَيّ عملٍ خرسانيٍّ على الممرّ الأَوسط قبل شُباط 2022، كما وأَنّ أَوّل توربينَيْن على مُستوى مُنخفضٍ، غير جاهزَيْن بعد للعمل، على رغم إِمكان عملهما بكميّة مياهٍ أَكثر مِن 4 مليار مترٍ مكعبٍ. وتأمل إِثيوبيا في الانتهاء من تركيبهما وتوليد حوالي 750 ميغاوات في تشرين الأوّل (أُكتوبر) المُقبل، حينئذٍ تكتمل المرحلة الأُولى الّتي كان مُقرّرًا لها نهاية 2014 وقد كان نصيبها الفشل طوال السّنوات السّبع الأَخيرة، حتّى الآن".


تعاونٌ ثُلاثيٌّ مُشتَرَكٌ؟

وإزاء هذه "الصّدمة" الإثيوبيّة غير المُعلَنَة... يبرُز السُّؤال الثّاني، وهو يتجلّى بمظهر الحلّ للخُروج مِن الصّدمة: هل مِن سبيلٍ للتّعاون الثُّلاثيّ المُشترَك بين الدُّول المعنيّة بسدّ النّهضة، أَي السّودان ومصر و​إثيوبيا​؟.

لقد وضعت إِثيوبيا السّودان ومصر أَمام الأَمر الواقع في إِعلانها انتهاء مرحلة الملء الثّاني لسدّ النّهضة قبل التوصُّل إِلى اتّفاقٍ بين الدُّول الثّلاث، على قواعد الملء والتّشغيل للسدّ، ما يُؤَشّر إِلى أَنّ إِثيوبيا ماضيةٌ في إِكمال كُلّ مراحل الملء حتّى ولم يتمّ الاتّفاق، استنادًا إِلى "إِعلان المبادئ" المُوقّع في 2015، والّذي منحها حقّ الاستمرار في التّشييد بالتّوازي مع المُفاوضات.

وبما أَنّ أَمر سدّ النّهضة بات واقعًا ماثلًا على مجرى النّيل الأَزرق، فإِنّ ذلك يُحتّم، وَفق مُراقبين، على الدُّول الثّلاث سرعة التوصُّل إِلى اتّفاقٍ يُبدّد مَخاوف دولتَيْ المصبّ السّودان ومصر، ويجعل مِن الملفّ فرصةً أَمام إِثيوبيا لخلق تعاونٍ مُشتركٍ، يُضاعف فوائدها التّنمويّةٍ مِن المشروع، مِن خِلال إِقامة مشروعاتٍ مُشتركةٍ تتجاوز مكاسب التّوليد الكهرومائيّ، إِذ يرى خُبراء إِمكان قيام مشروعاتٍ غير مُستهلِكةٍ للمياه، مثل تطوير الثّروة السّمكيّة واستغلالها، والملاحة، وغيرها مِن المشاريع الّتي تُساهم في تعزيز التّعاون والتّقارُب بين الدُّول الثّلاث، بما يخلق تكامُلًا اقتصاديًّا يضع حدًّا للخلاف على المورد المائيّ المُشترك.

وفي تلك المشروعات –في حال قيامها– ما يُحقّق تطبيق مبدإِ الاستخدام المُنصف والمعقول الّذي نادت به كُلّ الاتفاقات الدّوليّة والإِقليميّة، بدءًا بقواعد هلسنكي في العام 1966، ومِن ثمّ اتّفاق الأُمم المُتّحدة للمجاري المائيّة الدّوليّة في العام 1997، والاتّفاق الإِطاريّ التّعاونيّ لدُول حوض النّيل الّذي بدأ توقيعه في العام 2010، ولم يدخُل حيّز التّنفيذ حتّى الآن، لعدم اكتمال النّصاب، وأَخيرًا الاتّفاق الإِطاريّ لإِعلان المبادئ لسدّ النّهضة.

كما ومِن شأن ذلك أَن يمنح باقي دُول حوض النّيل دفعةً كُبرى لتسير على النّهج نفسه، لتنمية مواردها المائيّة، وترقية التّجربة لتعُمّ كُلّ دول الحوض.

وعلى رُغم الإِجراءات الأحاديّة الّتي اتّخذتها إِثيوبيا في ما يتعلّق بمرحلتي الملء الأُولى والثّانية، إِلَّا أَنّ السُّودان ما زال يأمل في التوصُّل إِلى اتّفاقٍ قانونيٍّ مُلزمٍ، يتماشى مع القانون الدّوليّ، إِذ أَكّد رئيس الوزراء السُّودانيّ ​عبد الله حمدوك​ خلال مُخاطبته الشّعب السّودانيّ في مُناسبة عيد الأَضحى هذا العام، أَنّ "ملفّ سدّ النّهضة يظلّ في مُقدّمة أَولويّات الحُكومة الانتقاليّة، وأَنّه وعلى رُغم إِعلان الحُكومة الإِثيوبيّة اكتمال عمليّة الملء الثّاني في مُواصلةٍ للتصرُّف في هذا الملفّ في شكلٍ أحاديٍّ، وللمرّة الثّانية، إِلّا أَنّ السُّودان يظلّ مُتمسّكًا بالوصول إِلى اتّفاقٍ قانونيٍّ ومُلزمٍ في شأن سدّ النّهضة الإِثيوبيّ".