إنّ الضجة التي صاحبت انعقاد المؤتمر الدولي في باريس بحضور أربعين دولة، لجمع 350 مليون دولار كمساعدات إنسانية للبنان، لا تتناسب مع حجم المبلغ المذكور ولا مع إمكانيات وقدرات الدول المشاركة والتي تستطيع، لو كانت فعلاً تريد دعم لبنان في محنته ومساعدته على معالجة أزماته، أن تقديم له مليارات الدولارات وليس عشرات الملايين.

واللافت أنّ هذه المساعدات لن تُقدَّم للدولة اللبنانية، تحت ذريعة أنها دولة فاشلة وأنّ الطبقة السياسية المستحكمة فيها فاسدة ولا يمكن ائتمانها على هذه المساعدات، ولهذا سيتم تقديم هذه المساعدات المالية مباشرة إلى الشعب اللبناني، عبر جمعيات ما يسمّى المجتمع المدني وهيئات الأمم المتحدة.
وكان من اللافت أيضاً التأكيد الفرنسي الأميركي على ذات التوجه والغاية من المؤتمر وهو دعم هذه الجمعيات، حيث شدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال افتتاح المؤتمر، على أنّ “هذه المساعدات ستتوجه مباشرة وبشكل شفاف إلى الجمعيات غير الحكومية، وعبر قنوات الأمم المتحدة”.
واعتبر أنّ “الأزمة التي يعيشها لبنان هي ثمرة فشل فردي وجماعي وأفعال غير مبرّرة، ونتيجة أخطاء حصلت ضد المصلحة العامة”، مشدّداً على أنّ “كل الطبقة السياسية ساهمت في تفاقم الأزمة عندما وضعت مصالحها الشخصية فوق مصالح الشعب اللبناني”.
أما مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق ديفيد شينكر فقد قال في تقرير له عن الوضع اللبناني أمام الكونغرس بتاريخ 3 آب الحالي إنّ واشنطن عازمة على مساعدة تطلعات المجتمع المدني، وتعمَد أيضاً إلى جدولة عقوبات محتملة بالاتفاق مع شركائها الأوروبيين على شخصيات لبنانية أو مؤسّسات متهمة بالفساد أو بتبييض الأموال من خلال علاقتها بحزب الله. إنّ ما يريده «الغرب» وما تريده دول الخليج هو أن يبقى لبنان ضمن «حياد إيجابي»، نائياً بنفسه عن صراعات المحاور…

ماذ يعني هذا الكلام وما هي الغاية الفعلية من مؤتمر باريس، وهل هو فعلاً لدعم لبنان؟
أولاً، إنّ هذا الموقف الأميركي الفرنسي، يكشف بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ كلّاً من واشنطن وباريس، المنخرطتين في شن حرب اقتصادية ضدّ لبنان أسهمت في خنقه بهدف تركيعه وجعله يخضع للشروط والإملاءات الأميركية، تسعى تحت عنوان مساعدة لبنان إنسانياً، إلى توفير الغطاء من هذا المؤتمر لدعم المنظمات والمجموعات الموالية للغرب والتي تندرج في إطار ما يُسمّى مجموعات NGOS، وذلك لتمكينها من أن تشكل بديلاً عن الطبقة السياسية الفاسدة التي كانت أصلاً ولا تزال تدين بالولاء للغرب، وذلك من أجل حصر المساعدات بهذه المجموعات إن كان للمتضرّرين من انفجار المرفأ أو من نتائج الحصار الأميركي الغربي، وبالتالي تلميع صورة هذه المنظمات بزعم أنها تتمتع بالشفافية والصدقية.
ثانياً، إنّ واشنطن وباريس تحاولان من خلال هذا المؤتمر تجميل صورتهما والظهور بمظهر إنساني، للتعمية على دورهما الخطير في حصار لبنان ومنع الحلول لأزماته بالتواطؤ والتعاون مع أطراف الطبقة السياسية الفاسدة التي تدعيان أنهما تقفان ضدها، في حين يعرف القاصي والداني أنّ واشنطن وباريس وغيرهما من العواصم الغربية شركاء هذه الأطراف السياسية في عقد الصفقات المشبوهة على مدى نحو ثلاثة عقود، وهي الصفقات التي عقدت تحت عنوان إعادة إعمار لبنان، فإذ بها تؤدي إلى إفلاسه وإغراقه بالديون وفوائدها من دون أن تُعمِّر أو تبنّي حتى معمل كهرباء أو معمل نفايات، أو مصنعاً لتصنيع الفائض من الإنتاج الزراعي.
ثالثاً، إنّ الهدف من حصر المساعدات بمنظمات NGOS إنما يندرج في سياق خطة أميركية فرنسية لتمكين هذه المنظمات من تقديم خدمات تعجز الدولة عن تقديمها، بما يمكن بعض الشخصيات المسؤولة عن هذه المنظمات من اكتساب شعبية تمكنها من الترشح والفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة بحيث يحقق الغرب اختراقاً في البرلمان بواسطة هذه الشخصيات، إلى جانب التمثيل الذي تحظى به الأحزاب والقوى السياسية المنتمية إلى 14 آذار، يؤدي إلى الفوز بأغلبية المقاعد النيابية وبالتالي تحقيق الانقلاب بإعادة إنتاج سلطة تدين بالولاء للسياسة الأميركية الغربية، تعمل على فرض اتفاق ترسيم الحدود البحرية وفق الأطماع الصهيونية، ومحاولة محاصرة المقاومة لنزع سلاحها، لا سيما الصواريخ الدقيقة التي تقلق الكيان الصهيوني وتردع عدوانيته وأطماعه.
انطلاقاً مما تقدم، يمكن القول إنّ مؤتمر باريس لم يكن ولم يهدف أصلاً إلى دعم لبنان، وإنما توفير الغطاء الدولي لدعم مجموعات NGOS التابعة للغرب وتلبس لبوس المجتمع المدني الذي يقدم المساعدات الإنسانية بغية كسب قلوب الناس وتأييدها لتحقيق مآرب سياسية تخدم الأهداف الأميركية الغربية التي تصبُّ في مصلحة كيان العدو الصهيوني المحتل، وهذه الخطة جرى وضعها منذ تفجر الاحتجاجات الشعبية في 17 تشرين الأول من أجل ركوب موجة هذه الاحتجاجات المحقة في مطالبها، لتحقيق الانقلاب السياسي بفرض حكومة أميركية الهوى باسم اختصاصيين، بهدف إقصاء حزب الله المقاوم وحلفائه عن السلطة، وتنفيذ الخطة الانقلابية، لكن عندما فشلت هذه الخطة في تحقيق هذا الهدف، تمّ وضع خطة جديدة وهي زيادة منسوب الضغط عبر الحصار الاقتصادي وجعل حياة الناس صعبة على كلّ المستويات، بحيث يوفر ذلك البيئة الملائمة لمنظمات المجتمع المدني وبعض القوى السياسية التابعة للغرب، لتقديم نفسها على أنها رسول الخير والإنسانية عبر تقديم المساعدات المسمومة التي ترسلها العواصم الغربية إليها، وهي نفس العواصم التي تحاصر لبنان وتمنع الحلول عنه، وتتسبب بمعاناة اللبنانيين.