كثيرة هي الدردشات والأقاويل والإشاعات بأنّ الإنتخابات النيابيّة المُقبلة لن تحصل في موعدها المُفترض في ربيع العام 2022، لأسباب عدّة منها لوجستي ومنها سياسي، وبخاصة في حال إستشعرت القوى السياسيّة والحزبيّة الأساسيّة، وُجود أخطار جدّيّة على نُفوذها وعلى سيطرتها على المجلس التشريعي. لكن في حال جرى تنظيم الإنتخابات المُنتظرة، والمَدعومة بشكل واسع من جانب المُجتمع الدَولي في موعدها، ما هي التوقّعات بالنسبة إلى النتائج؟.

بداية، لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ الأسابيع الأخيرة قُبيل الإنتخابات مُهمّة لتحديد وجهة تصويت العديد من الناخبين المُتردّدين، بينما حسم ناخبون آخرون قرارهم من اليوم، إمّا لجهة تمسّكهم بأحزابهم وتيّاراتهم، وإمّا لجهة إنتظار الإستحقاق الإنتخابي للتصويت لقوى "الثورة"، أو حتى لمُقاطعة الإنتخابات ككلّ، من باب اللامبالاة أو حتى يأسًا من أيّ تغيير! وبالتالي، إنّ الإحصاءات والإستفتاءات التي بدأت بعض القوى الحزبيّة، وبعض الجهات الإعلاميّة – أكانت مُسيّسة أم مُستقلّة، بتنظيمها، ليست دقيقة وحاسمة، لأنّ ظروفًا عدّة قد تتغيّر من اليوم وحتى تاريخ الإنتخابات. لكن وفق الوقائع المُتوفّرة في هذه اللحظة، يُمكن تعداد المُعطيات التالية:
أوّلاً: لا تغيير يُذكر في نتائج تصويت الناخبين ​الشيعة​، على الرغم من إمتعاض مجموعات واسعة من هؤلاء من الأوضاع المَعيشيّة والحياتيّة المُتدهورة. والسبب أنّ "​الثنائي الشيعي​" كان قد تمكّن في الإنتخابات الماضية من الفوز بكامل المقاعد المُخصّصة للطائفة الشيعيّة (بإستثناء مقعد جبيل) بفارق كبير في الأصوات عن مُنافسيه. وبالتالي، مهما حشد المُعارضون في البيئة الشيعيّة قواهم، فإنّه من غير المُتوقّع أن يؤثّر هذا الأمر في النتائج النهائيّة، ولوّ فقد "الثنائي الشيعي" جزءًا من ناخبيه، لصالح قوى "ثوريّة". ومن اليوم، يعمل مسؤولو "​حزب الله​" على لوم الولايات المُتحدة الأميركيّة و​إسرائيل​ وأعوانهما على "الحصار" المَفروض على لبنان، وعلى إستغلال المُساعدات الإيرانيّة، بهدف الحدّ من أيّ تردّد في التصويت لصالح "محور المُقاومة" في الإنتخابات المقبلة.
ثانيًا: لا تغيير كبير في نتائج تصويت الناخبين الدُروز، حيث يُنتظر أن يُبدّل "​الحزب التقدمي الإشتراكي​" تكتيكه الإنتخابي هذه المرّة، بحيث يصبّ أصوات أنصاره ومُؤيّديه على مُرشّحيه الدُروز، بدون أن يُوزّعها على بعض الشخصيّات المسيحيّة التي تدور في فلكه، كما حصل في الإنتخابات السابقة، لضمان فوز هؤلاء آنذاك. والهدف من هذا التغيير هو قطع الطريق على مُنافسيه في بيئته، على أن يُعوّل على الحاصل الإنتخابي الإضافي لإيصال من سيكون أقوى من ضُمن باقي المُرشّحين غير الدُروز على لوائحه. أكثر من ذلك، يتردّد خلف الكواليس أنّ "الإشتراكي" قد يقوم بتبديل جذري في تحالفاته الإنتخابيّة، بهدف الحفاظ على موقعه وعلى نُفوذه في "الجبل"، في حال لاحظ أيّ تراجع أو وهن في قُوّته الذاتيّة عشيّة الإنتخابات.
ثالثًا: في البيئة السنيّة، الأمور غير واضحة بعد في إنتظار ما سيحصل من تطوّرات في الأشهر المُقبلة، لكن وعلى الرغم من فشل "تيّار المُستقبل" في تنفيذ أيّ من وعوده الإنتخابيّة، فإنّه من غير المُرجّح أن يخسر المزيد من المقاعد. والسبب أنّه في الإنتخابات الماضية خسر جزءًا كبيرًا من المقاعد التي لم يكن يملك أغلبيّة واضحة فيها، لصالح خُصومه، وهذا المنحى غير مُرجّح أن يزداد في ​الدورة​ المُقبلة لأنّ النقمة الشعبيّة في بيئته ليست عليه وحده بل على القوى المُنافسه له أيضًا. كما أنّ "المُستقبل" يتحضّر لخوض المعركة الإنتخابيّة من موقع المُعارضة، وهو سيبدأ قريبًا بحملات سياسيّة–إعلاميّة لإستنهاض القواعد ضُمن البيئة السنيّة، مع تركيز على صلاحيّات "الطائفة السنيّة" وعلى دورها ونفوذها ضُمن التركيبة اللبنانيّة. وعلى الرغم من ذلك، إنّ فرصة مُرشّحي "المُجتمع المدني" بالدخول إلى البرلمان، من بوّابة بعض المقاعد المُخصّصة للطائفة السنيّة، هي أكبر من تلك المُتوفّرة على مُستوى المقاعد المُخصّصة للطائفتين الشيعيّة والدُرزيّة.
رابعًا: في المقلب المسيحي، التوقّعات الحاليّة تُشير إلى عمليّة خلط أوراق كبيرة ستحصل في الإنتخابات المُقبلة. والمسألة غير مَحصورة بما سينتزعه كلّ من "التيّار الوطني الحُرّ" و"​القوّات اللبنانيّة​" و"​الكتائب​ اللبنانيّة" من مقاعد بعضهم البعض فحسب، بل ترتبط بما سيناله المُرشّحون المُستقلّون أيضًا، وأولئك الذين سيحظون بدعم "المُجتمع المدني". "التيّار" يعتبر أنّه تمكّن من إستيعاب الحملات عليه، ومن إستعادة كامل شعبيّته، و"القوّات" تُراهن على أنّها ستتقدّم بشكل ملموس في الإنتخابات المُقبلة ضمن البيئة المسيحيّة، و"الكتائب" يعد بأنّه سيُفاجئ الجميع بالتحوّل الإيجابي الذي سيُثبته في صناديق الإقتراع، بالتعاون مع مُرشّحين مُستقلّين، ومع آخرين محسوبين على "المُجتمع المدني". وهذا الأخير يملك فرصة كبيرة بتحقيق نتائج مُتقدّمة ضُمن المقاعد المُخصّصة للمسيحيّين، بسبب الإنقسامات الواسعة ضمن البيئة المَذكورة، علمًا أنّ أيّ تقدّم في هذا السياق مَرهون بشرط أساسي يقضي بتوحيد اللوائح المُعارضة للأحزاب المَعروفة، وإلا فإنّ نتائج مُرشّحي "المُجتمع المدني" ستكون مُخيّبة كما حصل في دورة العام 2018. وحتى اللحظة لا تزال الإنقسامات هي سيّدة الموقف على مُستوى جماعات "الثورة" المُتعدّدة. ومن المتوقّع أن تشتدّ الحملات الإعلاميّة المُتبادلة بين القوى الحزبيّة المسيحيّة في الأشهر المُقبلة، ظنًا منها أنّ هذا الأسلوب لا يزال صالحًا لحشد الناخبين.
في الخُلاصة، الصُورة لا تزال باكرة لتحديد النتائج النهائيّة لأيّ إنتخابات نيابيّة–في حال سلّمنا جدًلا بحُصولها في موعدها. لكنّ الأكيد أنّ النقمة الشعبيّة الواسعة على الأوضاع الراهنة لا تزال غير كافية لقلب الطاولة على رؤوس جميع القوى الحزبيّة الحاليّة، خاصة وأنّ الشخصيّات المُرشّحة البديلة التي تتمتّع بالوزن وبالمصداقيّة تُعدّ على الأصابع–أقلّه حتى تاريخه. والخشية كبيرة بالتالي، بأنّ يكون برلمان العام 2022 شبيهًا إلى حدّ كبير ببرلمان العام 2018، مع بعض التغييرات هنا أو هناك، والتي لا تُقدّم أو تؤخّر في الوضع السياسي العام، ما لم يتمكّن "المُجتمع المدني" من توحيد صفوفه ولوائحه، ومن التسويق لشخصيّات لا غُبار عليها، وليست حزبيّة مموّهة، أو شيوعيّة الهوى، إلخ!.