أشار البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، في عظته خلال قداس الاحد الى انه "منذ إنشاء دولة لبنان، كانت ميزته التعدّديّة الثقافيّة والدينيّة، أي شركة في التنوّع. وهذا واضح في دستور الجمهوريّة الأولى سنة 1926 وجاء الميثاق الوطني سنة 1943 ليعبّر عن هذه الشركة في التنوّع بكلمة العيش المشترك الذي أدخل في مقدّمة دستور الجمهوريّة الثانية سنة 1990 بعد اتفاق الطائف"، معتبرا ان "سوء الأداء السياسيّ والخيارات السياسيّة الخاطئة، وعدم الولاء للوطن، والإستقواء بالخارج، شوّه هذه الميزة عندنا، وأوصل البلاد إلى الأزمة الاقتصاديّة والماليّة والمعيشيّة والإجتماعيّة والأمنيّة الخانقة".

وتابع الراعي :"يتطلّع الجميع إلى الحكومة الجديدة رابطين تأييدهم لها بتخفيفها معاناة الشعب، وحلّ مشاكل الحياة اليوميّة، وإطلاق الإصلاحات، وتصدّيها لكلّ ما ينال من سيادة الدولة وهيبتها وحرمة حدودها. مسؤوليّتها أن تُحي الأملَ بلبنانَ الواحِد في إطارِ الحِياد، واللامركزيّةِ الموسّعةِ، والتفاعلِ الحضاريِّ بين مُكوِّناتِه تحت سقفِ دولةٍ حرّةٍ ومستقِلَّةٍ ومستقِرّة. وفي هذا الإطارِ من واجب الحكومة أن تُحِّركَ المؤسّساتِ والأجهزةَ للقيامِ بواجباتِها حثيثًا، فالأمر الواقع بات يهدد وحدة لبنان وصيغة الشراكة الوطنيّة".

ولفت الى "اننا نَظرنا جميعًا بثقةٍ إلى المحادثاتِ التي جَرت في باريس منذ يومين، وثـَمَّنا موقفَ الرئيسِ الفرنسي إيمانويل ماكرون الصامِد تجاه لبنان والداعمِ إيّاه في المحافل الأوروبيّةِ والدوليّةِ، كما أكّد لرئيس الحكومة السيد نجيب ميقاتي. ويبقى على الحكومةِ اللبنانيّةِ أن تفيَ بالتزاماتِها الإصلاحيّة لكي يتحوّلَ هذا الدعمُ إلى فعل حسيِّ وتأتي لبنان المساعدات الموعودَة"، معتبرا ان "شعب لبنان بحاجة إلى ثروته المثلّثة: التربيّةِ والتعليمِ والثقافة. هذه الثلاثيّةُ كانت في أساسِ وجودِ لبنان المميّز في الشرقِ الأوسط. وما بدأ لبنانُ يتهاوى إلا مع كسوفِ هذه الثلاثية. إنّ أحد نتائجِ إفقارِ اللبنانيّين، وهذا ما يرجوه البعض، أنْ يُصبحوا عاجزين عن التحصيلِ العلمي، وعن اتّباعِ مناهجَ تربويّة متطوِّرة، وعن شِراءِ الكتبِ والاطِّلاعِ على الثقافةِ العالميّة فَيُحاصَرونَ في ثقافةِ هي أقربُ إلى الجَهالةِ منها إلى المعرفة".
وراى ان "أوّل واجبات الدولة، قبل سواها، دعمُ قطاعِ التربيّةِ والتعليمِ فورًا بإطلاق المدارس والجامعات، وتوفيرُ الكتبِ العالميّةِ بأسعارٍ تشجيعيّةٍ من خلالِ اتفاقيّات ثقافيّةٍ مع الدولِ الصديقة، وتأمين مساعدات ماليّة نمكّن الأهل من دفع الأقساط المدرسيّة، ومن اختيار المدرسة التي يريدونها لأولادهم. وواجب الدولة أن تساعد أصحابَ المدارس الخاصّة، ولاسيما الكاثوليكيّة منها على حسن التعاون مع أهالي التلامذة والمعلّمين، والتَصُّرفِ على أساسٍ إنسانيٍّ أوّلًا. فجميعُنا يَـمُرّ في ظروفٍ صعبةٍ تُـحتِّمُ أن نتضامنَ بعضُنا مع البعضِ الآخر".

من جهة اخرى، اشار الراعي الى "إنّنا ما زلنا نعيش في عمق قلوبنا مأساة أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت ال 208 والأكثر من ستّة آلاف جريحًا، ومئات العائلات التي تشرّدت، والمنازل التي تهدّمت. ونطالب اليوم وكل يوم بكشف الحقيقة وحسن سير العدالة،ومع ذلك نشجب التعرّضَ للقضاءِ بهدفِ تعطيلِ التحقيقِ. ويجدرُ بأركان الدولةِ اللبنانية أن يستنكروا ما يَتعرّضُ له القضاءُ، ويَدعموا عملَ المحقّقِ العدليّ ليصلَ إلى الحقيقة. كما نعترضُ على الكيلِ بمكيالين لجهة المدعوّين للتحقيق معهم. كم كنّا نتمنّى لو أن جميع الذين يتمتعون بحصانة سارعوا ورفعوها عنهم طوعًا أمام هول الكارثة التي تُعدّ ثاني كارثة عالميّة بعد هيروشيما".

وفي سياق اخر، ذكر الراعي انه "سمعتم أن فجر أمس دخل لصوص كاتدرائيّة مار مارون في بيونس أيرس-الأرجنتين، ونهبوا محتوياتها الثمينة المتنوّعة، حتى أنّهم دنّسوا جسد الربّ، إذ فتحوا بيت القربان، وسرقوا الكؤوس ورموا القربانات المقدّسة أرضًا. إنّنا ندين مع سيادة أخينا المطران يوحنا حبيب شاميّة، راعي الأبرشيّة، ومع أبنائنا الآباء المرسلين اللبنانيّين الموارنة، ومع كلّ المؤمنين، هذا التدنيس والتعدي على جسد الربّ، وعلى هيكل الله، ونقيم هذه الذبيحة المقدّسة تعويضًا وتكفيرًا عن هذا الشرّ التدنيسيّ. وقد علمنا أنّ قدّاسًا مماثلًا يحتفل به اليوم راعي الأبرشيّة بحضور رئيس الوزراء الجديد المارونيّ واللبنانيّ الأصل الدكتور خوان منصور، وبحضور أبناء الجالية المارونيّة واللبنانيّة والمؤمنين المحليّين بيونس ايرس".