في السياسة، وفي لبنان تحديدًا، يقال إنّ "لا دخان بلا نار". قد تنطبق هذه المعادلة على ما يُطرَح منذ يومين عن "مقايضة" يتمّ البحث عن "مَخارِج" لها، بين التحقيقات في كلّ من انفجار مرفأ بيروت وأحداث ​الطيونة​ الشهيرة، بما "يحرّر" الحكومة من "القيود" المفروضة عليها ويسمح لها بالعودة إلى العمل بعد تجربة أولى مع "الشلل".

ولعلّ الحديث عن "المقايضة" تعزّز مع المعلومات المسرّبة عن "تسوية سياسية" بدأت بوادرها بالظهور من خلال الجولة التي قام بها البطريرك الماروني ​بشارة الراعي​ على رؤساء الجمهورية ​ميشال عون​، والحكومة ​نجيب ميقاتي​، ومجلس النواب ​نبيه بري​، لا سيّما بعد ما أثير عن أنّ "خطوطها العريضة" رُسِمت خلال اللقاء مع الأخير.
لكنّ المفارقة أنّ مثل هذه "المقايضة" تبدو "مستحيلة"، أو "غير واردة"، وفق ما يؤكد الأطراف المعنيّون في العَلَن، حتّى الآن، وقد يكون ذلك أكثر من "مشروع"، نظرًا لما تنطوي عليه أيّ "مقايضة" من هذا النوع، من إهانة واستخفاف بالضحايا من الجانبين. بيد أنّ هذه المفارقة تصطدم بواقعٍ يؤكد أنّ كلّ "مستحيل" يصبح أكثر من "ممكن" في لبنان.
فعلى الرغم من أنّ "روحيّة" المبادرة المستجدّة، التي قيل إنّها تقوم على فكرة "المقايضة المستحيلة" هذه، انبثقت وفق التسريبات من اللقاء بين البطريرك الماروني ورئيس مجلس النواب، فقد سارعت مصادر "الثنائي الشيعي" للتنصل منها، وإعلان "البراءة التامة" من كلّ ما يمتّ إليها بصلة، باعتبار أنّ "الفصل" بين ملفّي الطيونة والمرفأ تام، ولا مجال للربط بينهما على الإطلاق.
ثمّة بين المحسوبين على "الثنائي" من يشرح وجهة نظره بالقول إنّ ذهابه إلى أيّ "مقايضة"، بل تصويره وكأنّه صاحب "المبادرة" بشأنها، لن يُفسَّر سوى على أنّه "محاولة توظيف" للدماء "البريئة" التي سقطت في الطيونة، في "المصلحة السياسية"، وتحديدًا في تحقيق ما كان يطالب به منذ ما قبل التظاهرة التي انحرفت عن مسارها، لجهة تنحية المحقّق العدلي، أو استبداله، أو بالحدّ الأدنى تراجعه عن الادعاء عن السياسيين.
ويقول هؤلاء إنّ مثل هذا التفسير يعني أنّ "الثنائي" يستخفّ بالدماء التي سقطت، وأنّه يريد "استغلالها" بما يحقق أهدافه ومآربه، وكرمى لعيون هذا النائب أو الوزير المُستهدَف بتحقيق البيطار، علمًا أنّ "حزب الله" كان واضحًا في خطابات أمينه العام بأنّه يريد الحقيقة في ​انفجار المرفأ​، ولا يريد وقف التحقيق، وإنّما يريد تصحيح النهج المتّبَع، لقناعته بأنّ ما يقوم به ​القاضي طارق البيطار​ لن يفضي إلى أيّ حقيقة يتطلّع إليها أهالي الضحايا.
في المقابل، يرى خصوم "الثنائيّ"، ممّن يعترضون على التحقيق بأحداث الطيونة، واستدعاء رئيس حزب "القوات اللبنانية" ​سمير جعجع​، أنّ "المقايضة" هي بكلّ بساطة تحقيق لغايات وأهداف "حزب الله"، الذي بدأ يحقّق ما يريده من تحويل الأنظار من "أمّ الجرائم"، في إشارة إلى انفجار مرفأ بيروت، إلى تظاهرة كان واضحًا منذ ما قبل تنظيمها أنّه يبحث من خلالها عن "المشكل" بحثًا، وكان له ما أراد.
ويعتبر هؤلاء أنّ الذهاب إلى "مقايضة" بين المرفأ والطيونة هو "جريمة كبرى" قد تفوق في خطورتها الجريمتين مجتمعتين، خصوصًا أنّه سيشكّل أكبر "ضربة" لضحايا تفجير المرفأ، الذين سيذهبون مرّة أخرى "فرق عملة" في الصراع السياسي، خصوصًا أنّ القاصي والداني يدرك أنّ ما تُسمّى بـ"تسوية" المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء ليست سوى "بدعة" لإراحة المدّعى عليهم وطمأنتهم.
لا تعني هذه المواقف المُعلَنة أنّ فكرة "المقايضة" طُويت، وأنّ "المحاذير" تحول دون ترجمتها على أرض الواقع، ولو توافرت "النوايا"، ذلك أنّ التجربة اللبنانية تثبت أنّه متى حانت "ساعة الجدّ"، فإنّ القوى السياسية جاهزة لتضرب كلّ المبادئ والثوابت بعرض الحائط، بل إنّها لن تجد صعوبة في إيجاد "المسوّغات" التي تبرّر أيّ قرار تتّخذه، وإقناع "جمهورها"، الحزبيّ بالحدّ الأدنى، بأسبابها الموجبة.
ويقول البعض إنّ ما يعزّز فكرة الذهاب نحو "المقايضة" يكمن في أنّ البلاد في حالة "شلل تام" لا يمكن أن تستمرّ، فمجلس الوزراء الذي طال انتظاره معطَّل، ومن الواضح أنّ "الثنائي" ليس في وارد السماح له بالعودة إلى العمل دون "توافق" على حلّ قضية القاضي طارق البيطار، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية، خصوصًا مع ارتفاع أسعار المحروقات إلى حدّ لم يكن أحد يخاله.
لكن، ماذا لو حصلت هذه "المقايضة" فعلاً؟ أيّ رسالة يمكن أن تعكسها أمام الرأي العام في الداخل والخارج على حدّ سواء؟ من سيكون الرابحون ومن سيكون الخاسرون منها؟ وأيّ تداعيات مرتقبة لها على مختلف المستويات؟.
قد تتفاوت الإجابات على هذه الأسئلة، لكنّ الأكيد أنّ القضاء اللبناني سيكون المتضرّر الأكبر، بمختلف فروعه واختصاصاته، لأنّ أيّ "مقايضة" من هذا النوع ستكون دليلاً دامغًا على "زيف" نظرية "فصل السلطات"، وستثبّت أنّ السلطة القضائية هي "رهينة" بيد السلطة السياسية تحرّكها كيفما تشاء، علمًا أنّ بعض القوى ما عادت تخجل بهذا الأمر، وهو ما يثبته أداؤها منذ بدء "الحملة" على المحقق العدلي.
صحيح أنّ القضاء أصبح "يُرشَق" من كلّ الجهات، فـ"الثنائي الشيعي" مثلاً يبرّر رفضه الخضوع لإجراءات القاضي طارق البيطار، بسبب "الارتياب" الذي يعتبره "مشروعًا" منه، ويحجب هذا "الحقّ" عن خصمه رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، الذي يصبح عدم مثوله أمام القضاء "محلّ إدانة"، والعكس صحيح تمامًا، حيث يحوّل جعجع نفسه إلى "بطل" في الشارع بعد استدعائه، ويرفض المثول أمام القضاء، بحجّة "الاستنسابية" نفسها.
باختصار، لا شكّ أنّ في "المقايضة" إهانة لجميع اللبنانيين، من كلّ الأطراف، لكن لا شكّ أيضًا أنّ القوى السياسية، التواقة إلى "تسوية" تسمح لها بالعمل تحضيرًا للانتخابات، تسعى إليها، دونما اكتراث بالتعبات والتداعيات. أما القضاء، فلا شكّ أيضًا أنّه الخاسر الأكبر، بين فريقين يدّعيان الدفاع عنه، ويحوّلان لأداة في اليد، فهل من "ينتفض" من قلب الجسم القضائي على مثل هذا الواقع، الأقرب لكونه "مهزلة"؟!.