في سلسلة تصريحات إعلامية في اليومين الماضيين، أعلن رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط ما يشبه "الانقلاب" على "​حزب الله​"، بعد سنوات من الهدوء النسبيّ، إن جاز التعبير، متّهمًا الحزب بالوقوف وراء "خراب بيوت" ال​لبنان​يين، على خلفيّة الأزمة مع الخليج، فضلاً عن تعطيل الحكومة وترسيخ الشلل في البلاد.
ويأتي هذا "الانقلاب"، إن جاز التعبير، بعد "انعطافة" مماثلة أقدم عليها رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري منذ "لحظة" نشوب الأزمة مع الخليج، بسلسلة بيانات توخّى من خلالها "تحييد" نفسه عن "أجندات" الحزب، ووضع حدّ لنظرية "فضّ الاشتباك" التي طبعت علاقة ثنائية ارتقت إلى مستوى "التعاون" وما أبعد منه على مدى سنوات.
وإذا كان جنبلاط والحريري يسعيان، وفق ما يرى البعض، إلى "تبييض" صفحتهما مع السعودية، فإنّ مشكلة "الحزب" لم تعد محصورة بهما، بل تشمل "الحلفاء والرفاق"، فرئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل انضمّ إلى المعترضين على الأداء، وذهب من خلال تكتل "لبنان القوي" إلى حدّ اعتبار تعطيل الحكومة بمثابة "جريمة موصوفة".
وثمّة من يذهب أبعد ذلك ليشير إلى أنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري نفسه لا "يجاري"، إن جاز التعبير، موقف "حزب الله"، في الكثير من تفاصيله، ولا سيما على مستوى الأزمة مع الخليج مثلاً، فهل أصبح "حزب الله" معزولاً وبلا حلفاء بالمعنى الحرفيّ للكلمة؟ وهل يمكن أن يقوده ذلك إلى تعديل موقفه وسياساته وخياراته، ولو بصورة نسبيّة؟
الأكيد، حتى الآن، أنّ ثمّة "جبهة واسعة" بدأت تتشكّل ضدّ "حزب الله"، ولو من دون "رؤية موحّدة" لأركانها والمشاركين فيها، الذين تختلف أجنداتهم كما أولوياتهم، فضلاً عن أهدافهم من الوقوف في وجه الحزب في هذه المرحلة، فما يسري على الحريري لا يسري بالمقدار نفسه على جنبلاط، وما يسري عليهما لا يسري بطبيعة الحال على باسيل.
في هذا السياق، يرى البعض أنّ هجوم الحريري على "حزب الله" يبدو أكثر من مفهوم، حتى إنّه يحظى بـ"تفهّم" الحزب، بل إنّ بعض المحسوبين على الأخير يذهبون لحدّ القول إنّه يحظى بـ"مباركته"، لإدراكه أنّ الحريري بحاجة إلى "التصويب" على الحزب لاستعادة بعض من حيثيّته التي فقدها، مع ما يصفونها بـ"الحرب السعودية" التي تُشَنّ عليه.
برأي هؤلاء، فإنّ مرحلة تكليف الحريري كانت كافية لتأكيد المؤكد لجهة "الحصار" الذي يعاني من جانب القيادة السعودية، لا سيما بعدما أضحى واضحًا أنّ ما منعه من التشكيل لم يكن رئيس الجمهورية وإصراره على الثلث المعطّل، ولا "شروط تعجيزية" طالب بها هذا الفريق أو ذاك، بقدر ما كان "فيتو" صريح من جانب المملكة التي تخلّت عنه.
من هنا، كان من المنطقي والطبيعي أن يسارع الحريري، وفق هؤلاء، إلى "استغلال" أول فرصة مُتاحة للهجوم على الحزب، بما يوحي بقطع "شعرة معاوية" معه، ويدحض الاتهام الموجَّه له بأنّه يتعامل مع "حزب الله" كشريك وحليف، وهو ما وقع فيه في مرحلة "الصدام" مع "التيار"، وتحوّل خطابه من مناهضة "حزب الله" إلى ضرب "العهد".
وقد يكون "انقلاب" جنبلاط، كما يوصَف في قاموس "حزب الله"، قريبًا بهذا المعنى من خيارات الحريري، فهو أيضًا يسعى إلى "طمأنة" السعودية وتبديد هواجسها، إلى حدّ بعيد، خصوصًا بعدما وصلت الأزمة إلى ذروتها، وتكاد تلامس "المحظور"، من دون أن يبادر المعنيّون إلى أيّ خطوة لرأب الصدع، بفعل "فيتو" من جانب "حزب الله".
ويقول البعض إنّ تصعيد جنبلاط يأتي أيضًا في إطار الاستعداد للانتخابات، التي يبدو أنّ ثمّة مسعى من جانب بعض الأطراف، لخوضها على أساس "خصومة حزب الله"، بما يرضي السعودية ودول الخليج، من دون أن يعني ذلك العودة إلى اصطفاف "14 آذار" بالمعنى الحرفي، بعدما "كُسِرت الجرّة" بين العديد من مكوّناته على امتداد المرحلة الماضية.
في المقابل، يبدو هجوم "التيار"، الذي لا يزال "ضمنيًا"، على "حزب الله"، مختلفًا شكلاً ومضمونًا، فالوزير جبران باسيل "عاتب" على الحزب، لأكثر من سبب واعتبار، أولها "تعطيل" الحكومة وشلّها، في وقت كان "التعويل" عليها كبيرًا لتحقيق بعض الإنجازات وتعويض شيء ممّا فات، وهو كثير، على امتداد سنوات "العهد" السابقة.
ولعلّ المشكلة الأساسيّة لباسيل أنّ "تعطيل" الحكومة يأتي في سياق محاولة "الحزب" فرض رأيه بالقوة، في موضوعٍ لا يشاركه "التيار" ولا جمهوره الرأي نفسه فيه، ولا سيّما أنّه ينطوي على مخالفة دستورية فاقعة، وضرب لمبدأ فصل السلطات، من خلال الإصرار على "تنحية" قاض، في تدخل غير مبرَّر ولا مشرَّع في السلطة القضائية.
أما "المأخذ الأكبر" بالنسبة إلى "التيار" على الحزب، فيبقى مرتبطًا بموقعة "الطيونة" الشهيرة، وأداء الحزب بعدها، ولا سيما خطاب الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله الذي خصّ رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع بساعتين كاملتين من "الذمّ"، ما قدّم له "هدية مجانية"، وأجمعت الآراء على أنّ باسيل كان "المتضرّر الأكبر" منه.
استنادًا إلى ما تقدّم، يبدو أنّ الأزمة المتفاقمة وغير المسبوقة بين لبنان ودول الخليج وعلى رأسها السعودية، معطوفةً على أزمة الحكومة "المرهونة" بمصير المحقّق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، وضعت "حزب الله" في "عزلة"، إن جاز التعبير، حتى بات "بلا حلفاء" فعليّين، ويتعرّض للهجوم من كلّ حدب وصوب، سواء كان مبرَّرًا أم لا.
لكنّ هذه "العزلة" لن تقود الحزب، على الأرجح، إلى أيّ تغيير في الموقف، وفق ما يرى العارفون، أولاً لأنّه يرفض الظهور بمظهر "المنهزم والخاسر"، حتى لو صوّر أي تراجع اليوم وكأنّه في "الصالح العام"، وثانيًا لأنّ بعد الانتخابات الذي يهيمن على تفكير معظم القوى السياسية المناهضة له اليوم، يدفعه إلى "الثبات" أيضًا أمام جمهوره.
هكذا، يمكن أن يفسَّر إصرار "حزب الله" على موقفه رغم كلّ شيء، فهو يصعّد مثلاً ضدّ السعودية والخليج، متحدّثًا عن "عدوان"، ومطالبًا بـ"اعتذار"، فيما رئيسا الجمهورية والحكومة يسعيان لـ"احتواء" الخلاف، لأنّه بهذا الخطاب "يدغدغ مشاعر" جمهوره، "المُعبَّأ" بما يكفي ضدّ الخليج، والأمر نفسه ينطبق على مقاربة قضية القاضي بيطار.
قد يحلو لـ"حزب الله" الحديث عن "العزلة والحصار"، وهو الذي يفاخر دائمًا بقدرته على تجاوز كلّ العقبات، مثلما فعلت إيران التي تحدّت كلّ العقوبات، لكنّ الأكيد أنّ الوضع في لبنان اليوم لا يحتمل أيّ مقارنة، والمطلوب "تهدئة" بالحدّ الأدنى، لأنّ همّ الناس في مكانٍ آخر، بعيدًا عن محاور إقليم ملتهب، لا تعني من لم يعودوا قادرين على الصمود أكثر!.