كثر مؤخراً التداول في مصطلح التطبيع، المشتق لغويا من وصف طبيعي، ولو دققنا في المعنى، لاستنتجنا أنّ هذا المصطلح، ينطوي على تزوير في التفسير اللغوي، وخصوصاً لجهة إبداء ما هو غير طبيعي، ليبدو وكأنه أمر طبيعي، وهو ما لا يمكن أن يُبرّر منطق التطبيع مع وجود حالة من الاحتلال أو العداء أو الصراع.


التطبيع يأتي نتيجة طبيعية بعد اتفاق سلام، قد سبق وأبرم بين الأعداء أي قبل التطبيع، وباعتبار أن اتفاق السلام هو المسبب للتطبيع وليس العكس، وإلا فما الذي يدفع الطرف المعتدي، إلى الالتزام بالسلام إذا كان قد استحوذ مقدماً على ما مبتغاه، والواقع أن التطبيع هو تمييع لأسباب العداء وتنازل قهري عن الحقوق المشروعة المغتصبة، وبالتالي هو استسلام مذل، وإضاعة فرصة إقامة سلام حقيقي.


إن مصطلح السلام بين طرفين، يفرض على طرفيه التزامات متبادلة، مقابل حقوق متبادلة، مع العلم بأن العدو الإسرائيلي لا يريد السلام بهذا المعنى المنطقي والسوي، وعلى الرغم من أن العدو الإسرائيلي لم ينفك الحديث عن السلام، فيما الحقيقة بأن العدو، غير قابل لتطبيق فكرة الالتزام، أو الاعتراف بالحقوق المشروعة، والمتبادلة بينه وبين الفلسطينيين، والمفترض أنها تقوم على الإنصاف أو التوازن بالحد الأدنى.


دليل على ذلك أن شعار الأرض مقابل السلام كان سبباً لانعقاد مؤتمر مدريد 1991 ومن بعده المبادرة العربية في بيروت 2002، لكن العدو الإسرائيلي أبدل شعار الأرض مقابل السلام، ليصبح الأمن مقابل السلام، وأخيراً حوّل العدو الإسرائيلي الشعار السابق إلى ضرورة التطبيع مقدمة للسلام أو التطبيع مقابل التطبيع فقط من دون سلام.


إن التطبيع بين بعض العرب وبين العدو الإسرائيلي، يستحيل تحويله إلى سلام دائم، في أي حال من الأحوال، وذلك لأن التطبيع قبل تحصيل الحقوق، وتحرير الأرض، وإبرام سلام، يعني الاستسلام بعينه، وبرغبة من الطرف العربي فقط، ولو كان سلاماً عادلاً بين العدو الإسرائيلي وبين الفلسطينيين بوجه خاص، لكان يمكن حينها الخوض في إقامة سلام على أسس مؤتمر مدريد أو على أساس المبادرة العربية أي الأرض مقابل السلام.


إن مصطلح السلام لن يكون سوياً بين معتد محتل للأرض، وبين المتعدى عليه الذي احتلت أرضه واغتصبت حقوقه، إلا في حال تراجع المحتل عن احتلاله للأرض وأعاد الحقوق المغتصبة إلى أصحابها، وهذا ما لم يتوافر تحقيقه حتى يومنا هذا، لأن العدو الإسرائيلي، لم يتنازل أو يتراحع قيد أنملة عن الاحتلال والاغتصاب، بل على العكس تماماً، فإن العدو زاد من صلفه وجبروته وتعدياته على الفلسطينيين، كما انه تقصد توسيع رقعة الاستيطان، على حساب أراض فلسطينية وعربية محتلة.


إن استمرار الاحتلال، ومحاولات تمييع الحقوق العربية المشروعة، ستبقى حائلاً دون إقامة سلام حقيقي بين العدو الإسرائيلي والعرب عموماً، وبحكم السؤال البديهي كيف يكون التطبيع مع العدو مقبولاً، في حين أن بعض العرب أقدم على التمييع والتفريط بالحق العربي في فلسطين، وعن سابق تصور وتصميم؟ وعلى الرغم من استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي باتباع سياسة التمييز العنصري ضد الفلسطينيين وقهرهم، وإذلالهم، وتهديم بيوتهم، وتهجيرهم من القدس والضفة الغربية، مع اتساع رقعة الاستيطان، والاستيلاء على أملاك الفلسطينيين، ورفضه إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.


كيف يمكن القبول بالتطبيع أو بالسلام مع العدو الصهيوني، فيما هناك أرض فلسطينية وسورية ولبنانية وأردنية، ما زالت تحت احتلال العدو الإسرائيلي، ولو أن العدو الإسرائيلي، سبق له وامتثل لقرارات الأمم المتحدة، أو لمقررات مؤتمري مدريد وبيروت، بالانسحاب من الأراضي المحتلة مقابل إقامة السلام العادل والشامل، لما احتجنا إلى إقحام أو اصطناع مصطلح التطبيع، لأن السلام العادل يصبح سلاماً شاملاً، وبالتالي تصبح العلاقات السياسية والاقتصادية أمراً طبيعياً بين كل العرب وإسرائيل، ولما احتجنا أصلاً إلى كلمة التطبيع.


إن مقاومة مبدأ التطبيع يجب أن تبقى مرتبطة بإقامة سلام حقيقي عادل مع الشعب الفلسطيني، ومشروطة بمنع المستوطنين من انتهاكات متواصلة للمقدسات، إضافة إلى وقف الممارسات القمعية والتعسفية واللاإنسانية واللاأخلاقية بحق الشعب الفلسطيني، إضافة إلى وقف منهجية تكريس واقع تهويد مدينة القدس، وضم الأراضي التي ما زالت توصف بالمحتلة، وفقاً لأحكام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.


إن العدو الإسرائيلي تعود حرف وتزوير الحقائق، فأخذ يصف كل من رفض أو قاوم الاستسلام والتطبيع بالعنصري وبالإرهابي، فترى مثلاً الهجمة الشرسة من حكومات أستراليا وبريطانيا وأميركا بالاشتراك مع المطبعين العرب بإدراج حركات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي على لائحة الإرهاب.


ها هو وزير دفاع الكيان الصهيوني بيني غانتس يتباهى بقوة العدو بقوله: إن إسرائيل نجحت في فرض التطبيع وإقامة علاقات دبلوماسية وتعاون عسكري واقتصادي مع بعض العرب لأنها قوية ولهذا لم تدفع أي شيء ولم تتنازل مقابل هذا التطبيع، جاء ذلك خلال زيارة بيني غانتس غير المسبوقة إلى المغرب وإبرام اتفاق تعاون عسكري واستخباري بين إسرائيل والمغرب.


إذاً هكذا تفتخر إسرائيل اليوم بأنها نموذج الدولة المحتلة، والتي حصلت على كل مآربها وعلى استسلام وإذعان بعض العرب، قبل السلام الحقيقي، وإن إسرائيل ليست بحاجة بعد اليوم، إلى الالتزام بأي قرارات دولية، أو بمبادرات عربية، ولا التنازل عن الأراضي المحتلة، ولا عن مشروع الاستيطان، أو عن مشروع تهويد القدس، وعن تعنتها الرافض إعطاء الفلسطينيين أي من حقوقهم المشروعة.


إن تطبيع العلاقات بين بعض العرب مع سلطات الاحتلال الصهيوني لفلسطين يعني تمييع القضية الفلسطينية والمراهنة على محو فلسطين من ذاكرة الأجيال وفي الحقيقة فان التطبيع يعني التخلي عن الهوية وعن الكرامة وعن السيادة وعن الذات العربية وبالتالي يعني التخلي عن القضية العربية المركزية فلسطين.


مؤسس الكيان الصهيوني ديفيد بن غوريون قال: إن دولة إسرائيل وجدت لتبقى أما الفلسطينيون فإن موت الكبار منهم وتأقلم الجيل الجديد سيمحو اسم فلسطين من ذاكرة الأجيال، وجواباً على سؤال إذا بقيت فلسطين في ذاكرة الجيل الفلسطيني الجديد ولم يتأقلم مع الواقع أجاب بن غوريون:

في هذه الحال فإن دولة إسرائيل ستزول في أول حرب تخسرها.


اليوم ‏العدو الإسرائيلي صار مرتعداً من جيل فلسطيني في مقتبل العمر لديه كل العزيمة والعقيدة والإيمان المطلق بمقاومة الاحتلال حتى الاستشهاد لدحر المحتل وتحقيق تحرير فلسطين وعاصمتها القدس الشريف.


نختم بالقول:

مهما كان التهافت على التطبيع الزائف أو الاستسلام العربي المذل للعدو الإسرائيلي المحتل بهدف تمييع القضية الفلسطينية فإن تحرير فلسطين وزوال الكيان الصهيوني صار حاضراً وحقيقة واقعة في وجدان جيل فلسطيني جديد غير قابل للتطبيع وعليه يبقى الرهان.