رغم "كثرة" العناوين السياسية التي طبعت هذا الأسبوع، من عودة مجلس الوزراء إلى الانعقاد بعد انقطاع قسري دام ثلاثة أشهر، إلى الورقة الكويتية التي سُمّيت من البعض "مبادرة" ومن البعض الآخر "دفتر شروط"، بقي خبر "اعتزال" الحريري وانسحابه شبه الكامل من المشهد السياسي والانتخابي على حدّ سواء، "الحدث" دون منازع.

حُكي الكثير عن الاعتبارات التي دفعت الحريري إلى اتخاذ قراره المتوقّع والصادم في آن، وعن الظروف الداخلية والخارجية التي "أجبرته" على سلوك مسار لم يكن ربما راغبًا به، وحُكي أكثر عن "السيناريوهات" المحتملة لمرحلة "ما بعد الحريري"، وعن القوى التي يُحتمَل أن "تملأ الفراغ"، في ظلّ التنافس المحموم على "وراثة" الرجل، وهو حيّ.

لكن ما لم يُحكَ عنه كثيرًا بعد، ولو بدأ "التلميح" بشأنه، فيتعلق بـ"مصير" الانتخابات النيابية المقبلة، في ضوء موجات "التشكيك" المستمرّة بحصولها، رغم تحديد مواعيدها، بل حديث البعض عن "ميثاقية" ستغيب بانسحاب الحريري، قد يزيدها "نفورًا" إحجام العديد من القوى السنية الأخرى ذات الوزن "الثقيل" عن المشاركة.

فهل أصبحت الانتخابات في "مهبّ الريح" فعلاً؟ وما صحّة ما يُحكى عن أنّ الراغبين بـ"تطييرها" وجدوا "الذريعة" التي تمهّد لهذا العمل، بحجج "دستورية" و"ميثاقية"؟ وقبل هذا وذاك، هل يصحّ القول إنّ "الميثاقية" تغيب إذا ما قرّر الحريري وغيره من القوى "التقليدية" عن خوض غمار المنافسة؟

في المبدأ، يرى كثيرون من الخبراء القانونيّين أنّ مبدأ "الميثاقية" الذي يستند إليه البعض للتهويل بإمكانية تأجيل الانتخابات لا يستقيم، فما يسري على الحكومة لا يسري بطبيعة الحال على الانتخابات، حيث لا تغيب "الميثاقية" سوى في حال قاطعت طائفة بأكملها الانتخابات، بمختلف تلاوينها وانتماءاتها وميولها، بمُعزَل عن "تصنيف" الأحزاب الممثلة لها وحيثياتها سلفًا، من دون انتظار نتائج الانتخابات.

ويقول هؤلاء إنّ الانتخابات النيابية هي التي تحدّد أحجام الكتل السياسية، وبالتالي لا يجوز اعتبار أنّ الاستحقاق لا يجب أن يجري لأنّ هذا الحزب أو ذاك، قرّر عدم المشاركة فيه، فمن قال إنّ هذا الحزب لا يزال فعلاً هو الأكثر تمثيلاً؟ ومن قال إنّ القوى الأخيرة التي تريد خوض الانتخابات ليس لديها وزن أو حيثية شعبية؟ أليست صناديق الاقتراع هي "الفيصل" في هذا الإطار، التي ينبغي الاحتكام إليها؟.

أكثر من ذلك، يشير العارفون إلى أنّ "مقاطعة" الانتخابات هي شخصيّة أو سياسيّة، وليست مرتبطة بالنظام الانتخابّي مثلاً، حتى يصحّ القول إنّ المشكلة فيه مثلاً، بدليل أنّ قرار الحريري جاء ترجمة لخياره تعليق عمله السياسيّ ككلّ، وبالتالي فهو ليس احتجاجًا على الاستحقاق بحدّ ذاته، والأمر نفسه يسري على من قد يحذون حذوه، علمًا أن كلّ التسريبات تضع مثل هذه المقاطعات في خانة "سياسية" ليس إلا.

ويذكّر هؤلاء بتجربة "المقاطعة المسيحية" في العام 1992 التي كانت مغايرة في الشكل والمضمون، ليس فقط لأنّها كانت "شاملة"، ولكن أيضًا لأنّها كانت بمثابة تسجيل موقف احتجاجي على النظام بعد التعديلات الجذرية التي أحدثها اتفاق الطائف، والتي اعتبرها كثيرون بمثابة "انقلاب"، ورغم كل ذلك، فقد جرت الانتخابات، وتمّ التسليم بالأمر الواقع، والإقرار بنتائجها، من دون أن تترك المقاطعة أيّ تأثير.

أما "الأخطر" من كلّ ما سبق، وفق ما يرى كثيرون، فهو أنّ مناخ "التشكيك" بإجراء الانتخابات لا يزال "صامدًا"، قبل أربعة أشهر فقط من موعد الاستحقاق، وهذا الأمر قد لا يكون عامل "طمأنينة"، بل هو يعني أنّ التفكير بتأجيل الانتخابات لا يزال طاغيًا على تفكير كثيرين، ولعلّ ذلك ما يبرّر إلى حدّ بعيد "انعدام" الإقبال على تقديم الترشيحات حتى الآن، في ضوء "الارتباك" المستمر في صفوف الأحزاب والقوى السياسية.

ويخشى البعض أن يكون ثمّة بين هذه القوى من لا يزال باحثًا عن "مَخرَج" يبرّر من خلاله قرار "الإطاحة" بالانتخابات، وما فكرة "الميثاقية" التي يكثر الحديث عنها سوى "الذريعة" التي وجدها، والتي قد تكون أكثر "إقناعًا" من كلّ ما تمّ التداول به في الآونة الأخيرة من أفكار وأسباب، لم تجد القبول السياسي والشعبي والجماهيري، خصوصًا أنّها تترافق مع تكثيف للخطاب "الطائفي والمذهبي"، على علّاته.

ومع أنّ هناك من يؤكد أنّ "الضمانة" التي لا يزال يصطدم بها الراغبون بـ"تطيير" الانتخابات، تتمثّل بالموقف العربي والدولي المصرّ على إجرائها في المواعيد الدستورية، فإنّ المناخ "السائد" يثير الكثير من المخاوف، وبالتوازي، يخلق "جوًا" قد لا يكون مؤاتيًا للانتخابات، ولا مشجّعًا على خوضها، علمًا أنّ هذا الأمر قد يكون "تكتيكًا" تعتمد بعض القوى السياسية لإبقاء "الغموض" حول المسار الانتخابي حتى اللحظة الأخيرة.

في النتيجة، يبقى الأكيد أنّ الانتخابات "في خطر"، ليس لأنّ الحريري قاطعها، لظروفه الخاصة، ولا لأنّ آخرين قد "يقلّدونه"، ولا لأنّ هناك "ميثاقية" قد تُفتقَد بالمعنى السياسي لا القانون، ولكن لأنّ الأحزاب الكبرى لا تريد إجراءها، وهذا ما يبدو واضحًا، علمًا أنّ سؤالاً مشروعًا يطرحه كثيرون، وهو: طالما أنّ الحريري قرّر الانسحاب من المشهد، فلماذا لم يستقِل مع نوابه من البرلمان لفرض إجراء الانتخابات شاء من شاء وأبى من أبى؟!.