متى بدأ تاريخُ لبنانَ؟

أَمَعَ الإنسانِ؟ وَهوَ الأوَّل الذي سَكَنَ مَغاوِرَهُ في كُلِّ الشَرقِ الى مَشارِفَإفريقيا وأبوابِ اوروبا. وَهوَ الأوَّلُ الذي بَنى مَنازِلَ لَهُ مِن حَجارَةٍ، حَفَر لَها أساساتٍ وثبَّتَها على أعمِدَةٍ وَصَنَعَ سُطوحاً لَها كَإنبِساطِ السَماءِ، عُلّواً وَقُرباً في آنٍ، ونشر أسرارَ بِنائِها، من مَشرِقَ تَرحالِ القَبائِلَالى مَغارِبِهِ.

أمَعَ الزَمَنِ؟ وَهوَ للبنانَ الصُنو، مُذ تَكَوَّن إمتداداًغَيرَ حِسابيٍّ الى تَقاسُمِهِأجيالاً وَدهوراً، ثُمَّأيَّاماً فَسنَواتٍ وَقروناً وألفيَّاتٍ... هو عَبَرَ، وَلبنانُ بَقيَ صانِعاً التاريخَ كَحاضِرٍ أبَداً، كَحاضِرٍ أبَديٍّ. أَلَيسَت الأبجَدِيَّةُ التي إبتَكَرَها لُغَةَ تَخاطُبٍ إنسانِيٍّ، وَفِعلَ تَواصُلٍ سِلميٍّ، وَدِرعَ تَضامُنٍثَوريٍّ، لا تَحتَوي عَلى صِيَغِ ماضٍ وَمُستَقبَل؟ في ذلك سَطوَتُهُ على التاريخِ كَفِعلٍ مُتفاعِلٍ أبَداً، مُتَشَهِّدٍ وَشاهِدٍ أبَداً... هَكذا نَشَرَمُبتَكَرَهُ الأسمَى الى أقاصيَ الأرضِ، تارِكاً للذيَن أقصُوا أنفُسَهُم في تَحَجُّر إنسانٍ وَزَمَنٍأن يَسجُنوا كِلَيهما في ماضٍ مُنفَصِلٍ، وَحاضِرٍهارِبٍ، وَمُستَقبَلٍ مُستَغمَضٍ.

هَلُّموا نَسبُرُأغوار هذا السِرَّ، في جَوابٍ على السؤال-المُنطَلَق: تاريخُ لبنانَ يَبدأ لا مِنَ الإنسانِ، وَلا مِنَ الزَمَنِ بَل... مِنَ الله. الله الحاضِرُ أبَداً، الفاعِلُ أبَداً، المُتَجَلِّلُأبَداً. هوَ الأَبَدً وَفيهِ الأَبَدُ، فِيهِ ألأزَل وَهوَ الأزَل. هو الواقِعُ أبَداً، وَكُلُّ الباقي صِناعَةُ أوهامٍ. هو لا يَزولُ، وَحدَها الأوهامُ تَزولُ. إن إستَطاعَ إنسانٌ القَضاءَ على الله، قَضى على لبنانَ. أمُستَغرَبٌبَعدُ أنَّ مَن إبتَغوا إزالَةَ لبنانَ، يَجتَهِدونَ، راهِناً، وَبعدَ فَشَلٍ، في القَضاءِ على الله فيهِ؟.

الساكِنُ في الأعالي يَستهزِئُ بِهِم، فَهوَ المُدرِكُ أنَّهُم، وَإن تَجَبَّروا، لَيسوا إلَّا بِطارِئينَ على تاريخِ لبنانَ المُشتَرَكِ والله. وَأتجاسَرُجازِماً: تاريخُ الله ولبنانَ.

يَبقى الشَكُّ، وَهوَ يَستَدعي اليَقينَ قَناعَةً. وَاليَقينُ هُنا لا أحمله أنا، بَل الله عينهحامِلُهُ ليَ وَلِلبنانَ. واليَقينُ هُنا وَعيٌ. اليَقينُ هُنا: رأسٌ لا ابَ وَلا أمَّوَلا إخوَةَ لَهُ. هوَ البَدءُ كُلُّ البَدءِ، وَلا بَدءَإلَّا بِهِ. وَلِتاريخِهِ هَذا لا أوَّلَ وَلا آخَرَ لَهُ. مِن عِندِ الله أتى، وَإلَيهِ يَمضي: مَلكيصادق، أساسُ اللبنانَويَّةِ، رَوحِيَّةً وَحَضارَةً، إيماناً وَفِكراً، بانيَ سَماءِ"شالِم" أو أورشَليمَ، "مَدينَةِ السَلامِ". وها إبراهيمُ، أبُ المؤمِنينَ بأٍسرِهِم في الخَليقَةِ، مَدفوعاً مِنَ الله يَنحَني أمَامَهُ لأنَّه أعظَمُ مِنهُ... وَمِن أبنائِهِ، كَهَنَةِ لاوي.

أَمِن لبنانَ الله؟
بَل أهوَ المَسيحُ، ملكيصادق الكاهِن هَذا، العامودُ الرابِطُ السَماءَبالأرضِ؟
ألَم يُنشِد داوودُ عَينُهُ في مَزاميرِهِ أنَّ المَسيحَ كاهِنٌ، وَقَد "أقسَمَ الرَبُّ وَلَن يَندَم، أن أنتَ كاهِنٌ لِلأبَدِ على رتبة ملكيصادق" (مز 110/4)، وَلَيسَ على رُتبَةِ كَهَنَةِ اليَهودَ، تأكِيداً لِأبَدِ تاريخِهِ الفاعِلِ؟
ألَم يَشهَد بولسُلِذَلِكَ في رِسالَتِهِ الى العِبرانييِّنَ: "المَسيحُ لَم يَنتَحِل المَجدَ فَيَجعَلَ نَفسَهُ عَظيمَ كَهَنَةٍ، بَل تَلَقَّى هَذا المِجدَ مِنَ الَذي قالَ لَهُ: "أنتَ إبني وَأنا اليَومَ وَلَدتُكَ". وَقَد قَالَ في مَكانٍ آخَرَ: "أنتَ كاهِنٌ لِلأبَدِ على رُتبَةِ ملكيصادق"(عب 5/5-6).
ألَيسَ لِذَلِكَأتى المَسيحُ لِلبنانَ، وَمِنهُ "آمَنَ بِهِ تَلاميذُهُ". وَمِنهُ، شَهِدَ لإيمانِ المَرأةِ الَتي مِن صَيدانا؟

ها الكَنيسَةُ تُنشِدُ، عَلى مَدى العالَمِ، يَومَ الجُمُعَةِ العَظيمَةِ، عَشِيَّةَ القيامَةِ: "سَيأتي الله مِن لبنانَ!" وَفي يَقينِها أنَّ الله مِن لبنانَ... وَلبنانُ مِنَ الله.