صَيفُ 989، مِن نِهايَةِ الألفِيَّةِ السابِقَةِ، وَكانَ ​لبنان​ُ صَريعَ جُنونٍ فَصَلَهُ عَن مُطلَقِ الحَقِّ، وَشَرٍّ شَلَّعَهُ في مُطلَقِ التَدميرِ، وَقَفَ أعظَمُ ألأحبارِ الأعظَمينَ، قِدِّيسٌ إعتَنَقَ لبنانَ فِعلَ ذَودٍ إلَهيٍّ وَتَفاعُلٍ إنسانيٍّ، صارِخاً بِوَجهِ العالَمِ الغاشِمِ: "لبنانُ أكثَرُ مِن وَطَنٍ، إنَّهُ رِسالَةُ حُرِيَّةٍ وَعَيشٍ مَعاً لِلشَرقِ كَما لَلغَربِ".

أقصَت الصَرخَةُ الطُغيانَ الى مَقاييسِهِ لِتُدَمِّرَهُ بِها.
أجَل! لَقَد جَعَلَ يوحنا-بولسُ الثاني العَظيمُ مِن لبنانَ، هَدَفيَّةُ أيّ إندِفاعاً في العَلاقاتِ البَشَرِيَّةِ الى سُموٍّ، لا بَل الى الهَدَفِ الأسمى الذي بِهِ يَتَوَجدَنُ كُلُّ المُقتَضى الإنسانيُّ: الحُرِيَّة، والعَيش مًعاً. مِن دونِهِما، العَوالِمُ الثَلاثَةُ: الطَبيعَةُ البَشَرِيَّةُ، المُجتَمَعاتُ الإنسانِيَّةُ، والله، لا كَينونَةَ ثَباتٍ لَها، لا بَل لا عَقدَ إرتِباطٍ بٍها. لا مَعرِفَةً تَتَرَوحَنُ بِها، وَلا عَيشَ يَتَجَسَّدُ في تَعَقلُنِهِ، صُعُدا، لَها.
أجَل! لَقَد جَعَلَ يوحنا-بولسُ الثاني العظيمُ مِن لبنانَ، تَعادُلِيَّةَ الجواهِرِ، بَينَ أيِّ مُخاطَبٍ وَمُتَخاطَبِهِ، في غَمرٍ يُعلي التَخاطُبَ الى الوَضعِيَّةِ الأصفى، وَتَتَساوى فيهِ العَدالَةُ والديموقراطِيَّةُ، وَسطَ الـ"نَحنُ" بَينَ الـ"أنا"، والـ"أنتَ". مِن دونِهِ، لا الـ"أنا" ولا الـ"أنتَ" قادِرانِ على أن يَقوما في ما هُما، وفي ما يَجِبُ أن يَكوناهُ.
أجَل! لَقَد جَعَلَ يوحنا-بولسُ الثاني العظيمُ مِن لبنانَ، عَينَ عَينِ ناموسِ حَتمِيَّةِ الخَيرِ المَنظورِ، في العَلاقاتِ الدَولِيَّةِ، بِوَجهِ الظُلُماتِ التي لا تَعي ذاتَها إلَّا بالظُلمِ، بالإقصاءِ، بالتَشتيتِ، بالإستِعبادِ، بالإبادَةِ. مِن دونِهِ، دَوَرانٌ في حَلقاتٍ تَدميرِيَّةٍ مُفرَغَةٍ، فَجيعَتُها الإنطوائيَّاتُ القاتِلَةُ والمُتقاتِلَةُ.
أمُجرِمٌ هوَ يوحنا-بولسُ الثاني، إذ جَعَلَ مِن لبنانَ الشَهيد، مَعَ كُلِّ دَورَةِ مَوتٍ في العالَمِ، مُبيدَ جَبريَّةِ التِخاصُمِ والتَنابُذِ والإفناءِ المُتبادَلِ، وَسَبَبيَّةَ الرُسوخِ في الحَياةِ، كَجَوهَرٍ يَنتَفِضُ مِن مَوتِهِ؟.
أمُجرِمٌ هوَ يوحنا-بولسُ الثاني، إذ كَرَّسَ لبنانَ الشَهيد، مَعَ كُلِّ خَفقَةِ عَقلٍ وَنَبضَةِ قَلبٍ، خَلاصاً في مَملَكَةِ الإنسانَ الوجودِيَّةِ صُعوداً الى اللهِ وَمِنهُ إيابُ العَودَةِ الى الأرضِ، بِمَدارٍ أوحَدَ هو البِدايَةُ والمُنتَهى؟.
أمُجرِمٌ هوَ يوحنا-بولسُ الثاني، إذ رَفَعَ لبنانَ الشَهيد، مَعَ كُلِّ طَلعَةِ شَمسٍ على الخَليقَةِ، الى صِلَةِ الرَحِمِ الناقِضَةِ لِمَقولَةِ أنَّ الإنسانَ حَيوانٌ يَتَطوَّرُ، جاعِلاً مِنهُ إلَهاً يَتأنسَنُ؟.

لَيسَ إلَّا لبنان

لا! لَيسَ بِمُجرِمٍ يوحنا-بولسُ الثاني!.
هوَ المُدرِكُ أن لَيسَ إلَّا لبنانَ مَن قادِرٌ على إبتِداعِ سيمائيَّاتِ للصحارى وَمُحاكاةِ عُبورِها، وَمُحاكاةٍ لِلقِمَمِ وإبتِداعِ بُلوغِها.
وَهوَ المُدرِكُ أن لَيسَ إلَّا لبنانَ مَن قادِرٌ على إختِلاقِ حِوارٍ مُتحاوِرٍ بَينَ مُتَمَسحِنينَ فادينَ، ومُتَسَنِنينَ في نُصرَةِ الحَقِّ، وكَربَلائيِّينَ في الإستِهزاءِ بالرِدى، ومُتَدَروِزينَ في حِكمَةِ العُقَلاءِ، وَمُتَهَوِّدينَ في المُساواةِ أمامَ اللهِ الأوحَدِ، أبو إبراهيمَ وَجَبلَتِهِ.
المُجرِمونَ؟ هُمُ القابِضونَ عَلى لبنانَ، تَحاصُصاً بإسمِ الدينِ والمَذهَبِ والمَغنَمِ، والنَهبِ والتَسَلُّطِ والإستِئثارِ، والإرتِهانِ والتَناحُرِ والإستِقواءِ، والجَهلِ والتَجهيلِ والإستِغباءِ... أبناءُ الظُلماتِ التي جابَهَها يوحنا-بولسُ الثاني، مُنذُ ذاكَ الصَيفَ، ليَعودوا مُرسِلينَ إليهِ مُمُثِّليهِم مِن ماسونيِّينَ ظاهِرينَ وَمُقَنَّعينَ، أو مُعاديهِ بِذَريعَةِ أنَّ لبنانَ مَزرَعَةٌ، أو بائعيهِ بأقَلَّ مِن ثلاثينَ مِنَ الفِضَّةِ، لَدى أوليائِهِمِ بأسواقَ نَخاسَةِ الشَرقِ والغَربِ، مُتَنَكِّبينَ بِسَطوَةِ المُكابَرَةِ وإنهِزاميَّةِ النَقضِ، وَمُحَوِّلينَ كُلَّ "مَعاً"، وَلَو صَليبَ فِداءٍ، لِسَيفٍ طاعِنٍ للآخَرِ.
لَهُمُ، حاضِرِ الماضي يَدوسُهُم وآتيهِ.
شُكراً يوحنا-بولسُ الثاني: لولا مُطلَقُ لبنانَ الذي يَتَفَعلَنُ بالتَكنيزِ، لَمَا كانَ مِن نِسبيٍّ لا لِلشَرقِ وَلا لِلغَربِ!.