لو قدّر للذكاء الاصطناعي ان يحلل موقف المسؤولين والسياسيين ورؤساء التيارات والاحزاب السياسية اللبنانية، لكان تخلّى عن الذكاء وابقى على صفة "الاصطناعي" فقط، لانّه اذا اراد الغوص في ما يقوله هؤلاء في المواضيع السياسية والاقتصادية والمعيشية والطبية و... لكان عليه التخلي عن المنطق والذكاء ليستطيع المتابعة والا يتوقف عن العمل. ولعل ابلغ دليل عن هذا الواقع يتمثل بالمواقف المعلنة وغير المعلنة عن انتخابات ​رئاسة الجمهورية​، ان من ناحية الاتفاق على المرشّحين او من ناحية المقاربة الموضوعة للوصول الى تفاهم حول اسم واحد.

منذ ايام خرج النائب ​محمد رعد​ بموقف اعتبر فيه انّ المرشح الذي يتداول باسمه، هو للمناورة مهمته مواجهة من دعمناه، وإسقاطه، داعياً الفريق الآخر الى "التوقف عن هدر الوقت واطالة زمن الاستحقاق". هذا الموقف كان ينبغي ان يكون مبدئياً لو لم يتم اتهام الفريق الآخر قبل فترة زمنية بتأخير الاستحقاق الانتخابي لانه لم يتفق على اسم يواجه به مرشح ​الثنائي الشيعي​ وبعض النواب الآخرين، اي رئيس تيار المردة ​سليمان فرنجية​. ولكن، ان يقال هذا الكلام بعد ان يتم التوافق على اسم لمواجهته، ففي الامر ابتعاد عن المنطق والمعقول.

وكي لا يذهب احد الى الاعتقاد بأن موقفي هو من باب التأييد للوزير السابق ​جهاد ازعور​ (او غيره) او الرفض لفرنجية، لا بد ان اجدد الموقف المبدئي الذي ينطلق من أي شخصية ستتولى رئاسة الجمهورية اليوم او غداً او بعد اشهر، لن تقدم او تؤخر شيئاً، خصوصاً وانها ستأتي ضمن رزمة تسوية شاملة وستكتفي بلعب الدور المطلوب منها، لانه لن يكون لها قدرة تغيير اي امر فيما اتفق عليه، لانه عندها سيكون "ما كتب قد كتب".

وفي عودة الى منطق السياسيين والمسؤولين اللبنانيين، فقد كان اتهام الثنائي الشيعي وحلفائهم للفريق الآخر ان خلافاتهم هي التي تؤخر انتخابات الرئاسة، وكان رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ حازماً حين شدد على ما معناه انه حين تتوفر ظروف المعركة الانتخابية الرئاسية في البرلمان، فلن يتأخر في تحديد جلسة وليفز من يفز. قد لا يكون تلاقي ما اتفق على تسميته بـ"الفريق الآخر" حول اسم معين نابع من مصلحة لبنان او المصلحة العامة، ولكن بغض النظر فإنه اذا ما حصل هذا الاتفاق بالفعل، سنكون امام اسم تم تبنيه من قبل شريحة كبيرة من النواب، ولتحسم التفاصيل الصغيرة ما يمكن ان يحصل بعدها، انما ان يقال ان الاتفاق هو مناورة لمواجهة فرنجية واسقاطه، فهنا الضياع في تحديد الوجهة، لانّ كل مرشح هدفه مواجهة الآخر واسقاطه للوصول الى المنصب، والا فما معنى الانتخابات والتصويت والتحالفات؟ وعندما كان النائب ​ميشال معوض​ مرشحاً بوجه ​الورقة البيضاء​، كان "الفريق الآخر" قد اعلن بوضوح انه لن ينزل الى البرلمان لتأمين وصول فرنجيّة الى قصر بعبدا، من دون ان يقدم اي بديل آخر، وهو امر في قمة اللامنطق والبعد عن الديمقراطية، فما ذنب فرنجيّة ومن يدعمه اذا كان من يعارض وصوله غير قادر على تأمين بديل؟.

انها كرة اللامنطق التي تنتقل من هذا الفريق الى ذلك، والتي ان دلت على شيء، فعلى مدى التخبط الذي يعيشه الفريقان بسبب عدم انقشاع الغبار الخارجي عن التسوية اللبنانيّة بعد، وتبقى المعادلة الوحيدة التي ينطق بها الاثنان هي السائدة: انا او لا احد، بينما يبقى الكلام المعسول بالوصول الى تفاهم والاتفاق على رئيس، مجرد شعارات اعلامية على اثير النسيان...