نشأنا في ما مضى على مفهوم واضح بأن الطلاق من سابع المستحيلات، تأثّرًا بالالتزام الديني، والتربية البيتيّة، والبيئة المحافظة التي كانت تحيط بالمجتمع.

كانت مجتمعاتنا تستغرب الطلاق وتستهجنه، وتشعر بالخجل والاستحياء، في حين أنّنا اليوم لم نعد نستغرب الأمر، الذي بات "موضة" إلى حد ما، دون أن نغفل الأسباب الموجبة والمنطقيّة في بعض الحالات، التي تؤدّي إلى الطلاق، لرفع الضرر عن أحد الطرفين.

مع ازدياد حالات الطلاق، لا بد من السؤال: إلى أين نحن ذاهبون؟ سؤال يُطرح على ضمير كل شخص يفكّر بالطلاق، لأسباب تافهة لا جوهريّة، وكأنّ الزواج بات الشواذ والطلاق القاعدة.

َالزواج سرٌّ مقدّسٌ في كنيستنا. سرّ هذا السرّ هو الله الذي يجمع "المتفرّقات إلى اتّحادٍ واحد". هذا يتمّ بأن يجعل المتزوجون قلوبهم مسكنًا لله ويتركوه يدير سفينة حياتهم في بحر هذا العالم الهائج. والمسيح، يظهر عظمة سرّ الزيجة، على أنه اتّحاد لا يمكن فصله، إلا اذا ارتبط أحد الطرفين بزنا، فحينئذ يكون قد فصل نفسه عن الآخر وقَسم هذا الاتّحاد، "إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي" (متى ٥: ٣٢). الزنى في العمق هو إشراك القلب. هو ترك الشريك لتشرك قلبك مع شخص آخر. الرجل أم المرأة كائن يقع في ضعفات كثيرة، وقد يتحلّى بطبائع لا يمكن التحرر منها بين ليلة وضحاها. من هنا نستطيع القول إنّ الزوجين قد يصلان إلى الطلاق لأسباب عديدة، منها عدم القناعة، الغيرة، الحسد، الضيقة المادية، تدخّل الأهل، المشاكل الجنسية، التعنيف الجسدي بحق النساء، الآراء المختلفة، طريقة تربية الأولاد، تقاذف الاتّهامات، الاختلاف في الثقافات والبيئة، التكابر، العناد، البخل، التبذير... وفي عالمنا المعاصر، زادت وسائل التواصل الاجتماعي المشاكل الزوجيّة. كذلك نجد أسبابًا أخرى مثل الاكتفاء المالي عند الزوجة، الرفاهية الزائدة، ازدياد متطلبات العصر، مع حذف الصبر والتواضع والإيمان والعيب من قاموس الزوجين، بحيث لم يعد من تمالك للأعصاب، بسبب ضغوطات الحياة، فتقع الواقعة. وقد يكون الطلاق حلًا منطقيًا وأساسيًا، لهذه الأسباب التي لا يريد أحد الطرفين الإعتراف بها والسعي إلى إصلاحها.

هناك قواسم مشتركة بين مشاكل الأمس واليوم، المفارقة أن في يومنا هذا، لم يعد مقبولًا ولا يجب السكوت على قمع النساء أو تعنيفهن، وأن يبقين صامتات تجنبًا لكلام الناس. طبعّا الطلاق سلاح فعّال للمظلومين، فلا يجوز في عصرنا أن تبقى النساء تحت كاهل الظلم والاستبداد، والرجل تحت تأثيرات غرائزه ونزواته ولذّته وتعنّته. علمًا أنّنا بتنا نشهد أيضًا على تعنيف النساء لأزواجهنّ بطرق مختلفة. لا يجب أن يكون أحدٌ معنّفًا.

الطلاق حلّ أساسي ومهم بسبب من قساوة القلوب، ورفض الحوار والتفاهم والتفاعل، و"الجرصة". من هنا، ليس من عيبٍ بمكان، أن يخضع الزوجان لمعالجة نفسيّة من قبل أخصّائيين، بالاضافة الى المتابعة الروحيّة، لإيجاد حلول قبل الحصول على الطلاق.

استسهال الطلاق في يومنا هذا، لأسباب بسيطة يمكن حلّها بالحكمة والتعقّل، امرٌ مستهجن، وهذا طبعًا تأثرًا بالغرب. لم يعد للطلاق تلك الهيبة التي كانت له فيما مضى. وما يؤلم أكثر، أن الطلاق حاصل لدى شريحة من الناس عرفوا بعضهم أيام مقاعد الدراسة، وترافقوا سنوات قبل زواجهم، وعندما تقع الواقعة، تطير هذه السنوات.

طبعًا هناك مساعي للعقّال، ولا سيّما الكهنة ومرجعيات روحيّة، للحدّ من الخلافات الزوجية، إنّه لمجهود مبارك. لكن، وللأسف، معظم الجهود تؤول بالفشل، بسبب من تعنّت الزوجين وتكابرهم، وأوائل المتضرّرين هم الأولاد، بما يصيبهم من أذى نفسي، وخلل في الطبائع والاكتئاب الذي يلحق بالبنين والبنات، ولا سيّما اذا كانوا صغيري السن.

وإن تكاثرت أحكام الطلاق، هذا لا يعني أن المسيحيّين روّاد طلاق. لا يعتقد، مَن يعاني صعوبات في حياته العائلية، واتّخذ قرارًا بالطلاق، يستطيع الحصول عليه تلقائيًا. يتناسى المتزوجون أن فسخ الزواج صعب جدًا في كنيستنا، لأننا نؤمن بأن الانسان يرتبط في زواج أبدي. فإذا قال الكتاب المقدّس: “ما جمعه الله لا يفرقنّه انسان”، يجب التفكير بأن كسر العائلة لم يوضع في أيدي الناس. "الرّغبة في الطلاق رغبة الانسان الساقط الذي لم يذق النعمة"، كما يقول المطران جورج خضر. واضاف: "العائلة عندنا هي مكان النّعمة والتقديس، والمؤمن يستجيب للنعمة ولا ييأس. إنها قادرة ان ترفعه وتساعده على تجاوز الشدة".

فليعي المتزوجون، قبل الإقّدام على هذه الخطوة، أن الزواج مؤسسة لا تنجح اذا تصرّف الزوجان بخلفية القبائل والعشائر. الزواج يبقى مباركًا ويدوم، عندما يسود على هذه المؤسسة التفاهم والحوار والعقل والمنطق والحكمة والتواضع والصبر ومخافة الله، عندها تتحقق مشيئته "ما جمعه الله لا يفرقنّه انسان".