تفاعلت بشكل فجائي مسألة الابراج الحدودية التي تضطلع فيها ​بريطانيا​ بدور رئيسي في ​لبنان​، ان من ناحية تجهيزها او من ناحية تدريب ​الجيش اللبناني​ على استعمالها. المشكلة اثيرت من ناحية ​سوريا​، على الرغم من بناء عدد من الابراج منذ سنوات، وحصول السوريين على التطمينات اللازمة من الجيش اللبناني لجهة المعلومات ومخاوف التجسّس وغيرها من الامور التي يمكن ان تقلق أيّ بلد مجاور، فعَلَتْ الصرخة من ان هذه الابراج باتت مركزاً للتجسس على السوريين والروس على حدّ سواء، ولم يعد هدفها فقط الحدّ من عمليات تهريب الاشخاص او السلاح او المخدّرات، بل مراقبة وملاحقة مسؤولين عسكريين او مدنيين من الجنسيتين السوريّة والروسيّة، حتى وصل الحدّ الى اتهام الجيش اللبناني بالتواطؤ مع البريطانيين في عمليات التجسس.

بداية، لم تنجح الذرائع التي تمّ "تسريبها" عن ان التعديلات التقنية التي ادخلت على الابراج اصبحت تشكل خطراً على خصوصيّة سوريا، والقول ان لبنان -بين ليلة وضحاها- تحوّل الى مركز انطلاق عمليات ضد جارته، وكانت واهية وضعيفة الى حد ان هناك من تحدث (بشكل غير رسمي) عن ان عدم وضع هذه الابراج على الحدود الجنوبية للبنان يعني ان المخاوف السورية مشروعة، والا لما كانت ​اسرائيل​ رفضت ذلك، ولا ​حزب الله​. هذا يعني ان سوريا قبلت ان تساوي نفسها باسرائيل، ولكن غاب عن اصحاب هذا الكلام ان اسرائيل عدوة وسوريا مفترض ان تكون دولة شقيقة (او صديقة بأقل تقدير)، وان الجانبين اللبناني والسوري اشتكيا مراراً وتكراراً من عمليات التهريب على انواعها ومن عدم توافر الامكانات اللوجستية والعديد لضبط هذه الحدود، التي تزداد تعقيداً بسبب طولها وطبيعتها الجغرافية القاسية. وبدل النظر الى الابراج على انها محاولة جدية للتخفيف من التهريب الحدودي، اذا بها تتحول الى مشكلة مستعصية. وتسأل شخصيات سياسية لبنانية في معرض حديثها عن الموضوع، عما كان الوضع عليه لو انقلبت الامور، اي لو ان الروس مثلاً قرروا اقامة مثل هذه الابراج على الحدود السورية، هل كان لبنان اشتكى من التجسس السوري عليه، وهل كانت علت الاصوات الى هذا الحدّ واخذت الامور منحى مغايراً لطبيعة العلاقة بين البلدين؟.

وتضيف هذه الشخصيات ان التساؤلات وبعض الشكوك التي تدور في اذهان السوريين مشروعة، ولكن حلّها يكون بالتواصل مع الجيش اللبناني الذي اعطى الاجوبة على كل التساؤلات، ولم يكن هناك من داع لان تأخذ الامور منحى تصاعدياً. وتوقفت الشخصيات عند المقارنة التي ارتضاها البعض في سوريا مع اسرائيل، معتبرة ان الاخيرة دولة عدوة وليس هناك من تهريب على المساحة الحدودية الفاصلة، بل مراقبة لعدم تجاوز الخطوط من قبل القوات العسكرية، ناهيك عن تواجد قوات "اليونيفيل" التي تقوم ايضاً بمهام المراقبة والافادة، ولو ان عملها يقتصر على هذا الامر، لكنها موجودة، فهل تقبل سوريا بنشر قوات اجنبية على حدودها مع لبنان، والا يشكّل ذلك مصدر ازعاج لها لخصوصية مواطنيها ومسؤوليها؟.

من المؤكد ان الابراج الحدودية ليست الحل الناجع لضبط الاوضاع والحد من التهريب، ولكنها تساعد حتماً وبشكل كبير، على التخفيف من التبادل غير المرغوب فيه بين البلدين، وكان الاجدى ب​الجيش السوري​ ان يعمد الى رفع مستوى التنسيق مع الجيش اللبناني في هذا المجال، كي تزداد فاعلية هذه الابراج بما يعود بالفائدة على الطرفين.

لم يكن هناك من داع لهذه البلبلة، وكان يجب التحدّث بلغة واحدة بدل تحويل هذه الابراج الى برج بابل بالقوة، مع الاشارة الى ان بريطانيا او اي دولة اخرى، لا تحتاج الى هذه الابراج للتجسس، فهناك ما يكفيها من مراكز في الدول المجاورة منها ما هو معروف ومنها ما هو خفيّ، وتنشط في داخل كل دولة لجمع المعلومات، ولا يخفى على احد ان قرار ضبط الحدود يبقى مرهوناً اولاً واخيراً بقرار سياسيّ لا دخل للابراج فيه.