إنّ مصطلح الحوار في عقل العامّة يفهم عادة على أنّه عمليّة الإقناع. بيد أنّ الحوار يعرف في اللغة الإغريقيّة بأنّه تبادل "عبر الكلمة" بينما تعنيه اللغة العربيّة "يتراجعون الكلام". فالمحاورة تمثّل، "مراجعة المنطق"، فالانتظارات من الحوار تكمن في التبادل عبر الكلمة وليس تشبّثًا بموقف أو منطق مقفوص. إلّا أنّ ما يثير الاستغراب الكتاب الجديد للكاتبة ميرنا جليلاتي عبده معنونًا "حوارات عقيمة"...

فسألت عن السبب والمسبّب لهذا العنوان! فأجابني الشاعر العبّاسي علي بن جبلة بقوله:

"ضِدّانِ لمّا اسْتَجْمَعا حَسُنا والضدّ يُظْهِرُ حُسْنَه الضِدُّ".

ففهمت بعد قراءة المؤلَّف أنّ الحوار عندها رحلة مع الكلمات وتأريخ لمحطات. لذّة الحوار عندها ليست في عمليّة الإقناع، ولا تغيّر موقف، ولا تنكّر لحدث أو كلمة، إنّما في عمليّة الحوار نفسها.

لقد امتازت الكاتبة عن أقرانها بفضح أمورها وإباحة أسرارها بتأثّرها برجال الفكر والفلسفة أمثال أرسطو، والفارابي، وديكارت، وسبينوزا، وكانط، وراسل، وروسو، وفرويد، ودوستويفسكي، ونجيب محفوظ ومخائيل نعيمة...

يبدأ الكتاب في "مشهديّة حواريّة بين العقل والقلب"، أي بين العاشق والمعشوق، بين الدّين والفلسفة، بين الرغبة واللذّة، بين النجاح والفشل... وكتبت عن الهوية والكيان. تألّقت بأسلوبها النسويّ المرهف، وبأدبها الرشيق، وابتكاريّة الكلمة في مواقف الحوار، لقد امتازت برجحان العقل، فنجحت في التغلّب على اليأس وكآبة القلب، فالتناص معها محتّم، لتعلنا (أنت وهي) تعادل القلب والعقل أي الإنسان بإخفاقاته ونجاحاته. مؤكّدة "... عناية أريد بها احترام إرادة الإنسان الحرّة واختياره النهائيّ لقرارته المصيريّة..." وأضافت "... صراع أبديّ لا مفرّ منه متى استوكر في الإنسان العناد وعمت قلبه قلّة البصيرة"! وأنهت هذه المشهديّة "وحده التوازن يحقّق تلك الراحة المفقودة، الّتي ينشدها المرء في ظلّ هاتيك المناكفات الشرسة"!.

شذرات فكرية عاصفة خطّتها الكاتبة بالحكمة والخلاصات الفلسفيّة، فيتفاعل معها المتلقّي، ويدخل إلى عمق الحوار وأفخاخه في مناقشة وجدانيّة وجوديّة قائلة: "مُذ استضافتني الحياة في مدارها الكونيّ، استحوذت عليّ تساؤلات وجوديّة تخطّت الكون برمّته"!... ويجمّل الكلمات سوانح في الصّمت "أنصت إلى رسائل الصّمت... فمن خلالها تتلقّف الما لا يقال".

وتقفل الأديبة ميرنا جليلاتي عبده كتابها في قصص وجيزة تختصر الحياة. ولو كانت الحوارات عقيمة إلّا أنّها تنتج كلمات، ومنها أبدعت الكاتبة كتابًا جديدًا.