يأتي أحد رفع الصليب الكريم المحيي في وسط الصوم، إذ هو الأحد الثالث بعد أحد الأرثوذكسيَّة وأحد القدِّيس غريغوريوس بالاماس، ويتبعه أحد القدِّيس يوحنَّا السلَّميِّ وأحد القدِّيسة مريم المصريَّة.

الأحدان الأوَّلان يتعلَّقان باستقامة الرأي، وتكريم الأيقونة، وانتصار الإيمان القويم، والتألُّه، والأحد الرابع والخامس موضوعهما الجهاد الروحيُّ والتوبة والرجوع إلى الله.

صحيح أنَّ لكلِّ أحد عنوانه وخصوصيَّته وخدمته الليتورجيَّة، وصلواته وترانيمه، إلَّا أنَّ خمستها واحد في الجوهر. يجمعها الإيمان الواحد كقاعدة أساسيَّة، وهذا الإيمان يعاش لأنَّ اللاهوت ليس مادَّة فكريَّة دون الروح، واللاهوتيَّ هو المصلِّي.

فالقدِّيس غريغوريوس بالاماس مثلًا كان رجل صلاة من الدرجة الأولى، وجمع بشكل رائع المعرفة والصلاة معًا، فكلُّ ما كان يقرأه ويتعلَّمه في اللاهوت، كان يعيشه بالصلوات والتوبة والجهاد الروحيِّ والسهرانيَّات. هذا ما جعله يبدع في شرح الهدوئيَّة والصلاة القلبيَّة وتألُّه الإنسان بالقوى الإلهيَّة غير المخلوقة المنحدرة على الإنسان وغير المنفصلة عن الله.

فالقدِّيس شرح إيمان الكنيسة منذ البدء، وما عاشه الآباء القدِّيسون وكتبوا عن تألُّه الإنسان جسدًا وروحًا بالنعمة الإلهيَّة، باتِّحاد كامل يتمُّ في موضع القلب، أي «النوس» وهي كلمة يونانيَّة تترجم «الذهن»، وهكذا يكون الإنسان قد تطهَّر واستنار وتألَّه.

كما أنَّ اتِّحاد المادَّة باللاهوت هو أساس الأيقونة. فتجسُّد الله واتِّحاد طبيعته الإلهيَّة بطبيعتنا البشريَّة، ختم النقاش وكلَّ أبحاث الإنسان وتساؤلاته حول سرِّ الوجود، وحول أنَّ الله بعيد عنَّا، وبهذا يكون وصل كلُّ بحث فلسفيٍّ إلى غايته المنشودة ألا وهي "عشق الحكمة Philosophia/ φιλοσοφία"، والحكمة المثلى هي الرب يسوع المسيح وإنجيله، وبقي أمامنا الغوص في هذه الحكمة، وفي هذا التدبير الخلاصيِّ الإلهيِّ ليرتقي الإنسان إلى العلى.

هنا تحديدًا يأتي دور الأحدين الرابع والخامس، أي تنقية الإنسان من الأهواء المعيبة، واكتسابه الفضائل بالتوبة الصادقة. ولكنَّ هذا لا يمكن أن يتمَّ إلَّا بالصليب. لهذا، فالصليب هو الممرُّ الأساسيُّ والوحيد إلى الخلاص والقيامة من قبر خطايانا الَّذي هو الموت الحقيقيُّ. فالصليب هو جرن المعموديَّة الثاني الَّذي نموت فيه عن ذاتنا وكبريائنا، ونولد من خلاله من جديد وُدَعاء ومتواضعين لنجد مع المسيح راحة لنفوسنا كما وعدنا (متَّى 11: 29). هذه هي قيامتنا مع الربِّ.

لهذا تسمِّي الكنيسة الصليب أيقونة الأيقونات، وعليه تجلَّى أعظم حبٍّ في العالم. فيسوع بذل ذاته عن كلِّ إنسان، ولد وسيلد، وليس عن أخصَّائه فقط، لأنَّنا كلَّنا أبناء الله بالتبنِّي. فعلى الصليب نقرأ ونعي ما معنى الحبِّ الباذل اللامحدود. ومن يرفض الصليب يرفض، عن معرفة أو عن غير معرفة، محبَّة الله اللامتناهية.

فإذا قال أحد إنَّ الله لا يموت، نقول له: «صدقت، فيسوع مات بطبيعته البشريَّة فقط، وقام بسلطان ذاته، أي بسلطان طبيعته الإلهيَّة». وإن قال إنَّ يسوع ليس الله، نقول له: «لا يمكن أن يكون إلَّا الله، لأنَّ الله محبَّة ولا يمكن للمحبَّة أن تتقوقع على ذاتها، بل تمتدُّ نحو الآخر دون حدود ودون مقابل». ونكمل: «الآب هو الله، والابن هو الله، والروح القدس هو الله، وثلاثتهم إله واحد، تمامًا كما النار والنور والحرارة واحد في شعلة واحدة».

كما نؤكِّد أنَّ الله لا شريك له، وثالوثه واحد في الجوهر الإلهيِّ، وكلمة «ابن» تأكيد على الوحدة الجوهريَّة، وليس لأيِّ عمليَّة خلق. وطبعًا لم يحصل أيُّ تشريك على الإطلاق مع الألوهة من قبل الطبيعة البشريَّة، أو امتزاج أو اختلاط أو ذوبان أو إلغاء من الواحدة للأخرى، فاتِّحاد الربِّ الإله بالبشريَّة لم يُقصِ ألوهيَّته الَّتي له قبل أن يولد إنسانًا مثلنا، ولم يؤثِّر عليها شيء.

كذلك تجسُّده لم يُنزل من جلاله ولا من مقامه، لأنَّه الله والأب الحنون، وهو القادر على كلِّ شيء، ولا شيء يمكن أن يؤثِّر عليه.

يبقى الصليب دعوة اختبار شخصيَّة تنقل الإنسان إلى عشق ما بعده عشق.

هو عشق الإله الَّذي عشق الإنسان وخلقه على صورته وأتى إليه ليخلِّصه ويفديه. وهذا الفداء مشيئة ثالوثيَّة واحدة. هو عشق الانتصار على الظلمة والموت. هو لحظة القيامة الَّتي ليست من هذا العالم. هو العودة إلى ما خلقنا الله عليه، لهذا قال لنا الربُّ: «فإنَّ من أراد أن يخلِّص نفسه يُهلكُها، ومن يُهلك نفسه من أجلي يجدُها» (متَّى 16: 25). هذا معناه أن نُهلك الأنانيَّة الَّتي فينا، وهذا يكون بالصليب حصرًا، لهذا اشترط يسوع علينا حمل الصليب كلَّ يوم إذا أردنا حقًّا أن نتبعه. فعلى الصليب يموت الوحش الَّذي في كلِّ واحد منَّا. يموت هو لنحيا نحن قائمين مع القائم إلى الأبد، لهذا، فالصليب هو علامة الانتصار وإشارة الغلبة.

بالخلاصة، لقد قال الربُّ: «وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أَجذبُ إليَّ الجميع» (يوحنَّا 12: 32). فعل الرفع هنا هو الصلب والمجد. لهذا شرح القدِّيس يوحنَّا الذهبيُّ الفم قائلًا: «بالصليب ينحدر العدوُّ، وبه يرتفع السيِّد ليرفع معه مؤمنيه إلى السماء».

فمن انجذب إلى المحبَّة الكبرى انجذب إلى الصليب حتمًا، وصرخ مع القدِّيس غريغوريوس النيصصيِّ: «عشقي مصلوب لكنَّ عشقي قائم».

إلى الربِّ نطلب.