في المشهد الإقليمي المتقلّب والمتسارع، كان يبدو للوهلة الأولى أن انهيار نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) إلى السلطة في سوريا، لن يسهّل كثيراً حصول أي تقارب مع إسرائيل. لكن واقع العلاقات والصراعات في المنطقة اثبت العكس: توقيع اتفاق سلام أو تطبيع او اتفاق امني بين سوريا ما بعد الأسد وإسرائيل يبدو أسهل بكثير من تحقيق اتفاق مماثل مع لبنان، رغم ان الرئيس اللبناني لا يمتلك عقيدة دينية كتلك التي كان يقاتل ويقتل من اجلها الشرع (ابو محمد الجولاني)، والتي تنادي بضرورة زوال اسرائيل.
ولمن لا يزال غير مقتنع، ما عليه سوى استعادة الاحداث والسرعة التي تتخذها طريق العلاقات السورية-الاسرائيلية، اضافة الى المنطق السياسي الأميركي الذي يؤكد هذا الاتجاه. تمارس واشنطن ضغطاً استثنائياً على الحكومة السورية الجديدة، تحديداً على الشرع، من أجل الوصول إلى اتفاق أمني أو حتى تطبيعي مع إسرائيل قبل نهاية العام. هذا الضغط ليس مجرد رغبة في تطبيع جديد، بل هو محاولة حثيثة لإعادة صياغة التوازنات في الشرق الأوسط، وتقليص نفوذ إيران، التي كانت حليفاً وثيقاً للنظام السابق. ومع أن الشرع انشأ سمعته ضمن تيار متشدد وارهابي، إلا أن الرغبة الأميركية –كما يبدو– تراهن على التغيير في تعاطي السلطة الجديدة في دمشق مع الواقع، وها هو ابو محمد الجولاني يسابق الريح للتفاوض المباشر مع الاسرائيليين والوصول الى اتفاق في اسرع وقت ممكن، على الرغم من ان الجيش الاسرائيلي قام ولا يزال، منذ تولي السلطة الجديدة الوضع في سوريا، بضم اجزاء من البلاد، والقضاء على اسلحة الجيش السوري، والتعاطي بفوقية تامة مع المسؤولين السوريين.
لكن ما يجعل الطريق إلى اتفاق سوري-إسرائيلي أقل تعقيداً من المسار اللبناني، هو أن سوريا، ومنذ عقود، لم تشهد مواجهات مباشرة دامية مع إسرائيل على غرار ما شهده لبنان. الجولات القتالية المدمّرة بين حزب الله وإسرائيل منذ العام 1982 وحتى الامس القريب، وما تبعها من حروب وعمليات اغتيال، وقصف مستمر، ومجازر وتدمير، خلقت في الوعي اللبناني –الشعبي والسياسي– حاجزاً نفسياً ووطنياً أمام أي محاولة للتطبيع، مهما كانت الذرائع. بعكس ذلك، فإن ذاكرة السوريين مع إسرائيل، رغم احتلال الجولان، اتسمت بالجمود أكثر من التصعيد. النزاع السوري-الإسرائيلي بقي محصوراً في المعادلات الدبلوماسية، لا في ميادين المواجهات المباشرة، ما يجعل أي اختراق سياسي مستقبلي أكثر تقبلاً في الوعي العام.
لبنان أيضاً يواجه معضلة بنيوية تتجاوز الحسابات الإقليمية: سلاح حزب الله. هذه المعضلة التي، وللمرة الاولى منذ نشأة الحزب، بدأت الخطوة الاولى من اجل تسليم سلاحه الى الدولة. هنا تحديداً تبرز أهمية ما أشار إليه السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، حين لمّح إلى دعم أميركي مباشر للبنان، وتحدث عن اقامة اتفاقية دفاع مشترك بين بيروت وواشنطن، فقط إن خطا لبنان خطوات نحو نزع سلاح الحزب، فيما لم يأت على ذكر اي شيء من هذا القبيل بالنسبة الى "سوريا الجديدة". هذا التجاهل يعكس إدراكاً أميركياً بأن لبنان، يبقى بالنسبة الى اميركا اهم بكثير من سوريا في ما خص العلاقة مع اسرائيل.
خلاصة هذه التطورات تفيد ان العامل الأهم ليس فقط شكل النظام، بل طبيعة الصراع. في لبنان، الصراع مع إسرائيل هو صراع حيّ ومفتوح، بينما في سوريا، هو صراع "مجمّد" يمكن إذابته بصفقة. ولهذا، فإن مفارقة الشرق الأوسط اليوم هي أن سوريا الجديدة، ولو كان على رأس سلطتها شخص شق طريقه الى السياسة من منظمات ارهابيّة متشددة، قد تجد نفسها على طريق اتفاق سلام مع إسرائيل قبل لبنان، الذي لا يزال أسير توازنات داخليّة معقّدة وسلاح يجهد الجميع لنزعه او تسليمه، فيما يحاذر اللبنانيون فقط تجنب شبح الحرب الاهلية والمواجهات الداخلية.