في السياسة كما في الهندسة، ثمة فارق بين ما هو نظري ممكن وما هو قابل للتطبيق. الفكرة الأميركية بتوظيف ​سوريا​ (حالياً تحت قيادة ​أحمد الشرع​ (​أبو محمد الجولاني​) لمعالجة ملف ​حزب الله​ في ​لبنان​، تنتمي إلى النقطة الأولى، حيث يمكن تداولها في اجتماعات العواصم وتسريبها إلى وسائل الإعلام، لكنها تصطدم على أرض الواقع بعوائق متراكمة تجعل تنفيذها ضرباً من المستحيل.

- أول هذه العوائق عسكري ولا بد هنا من التذكير بأن ​إسرائيل​ نفّذت في أواخر عام ​2024​ ومباشرة بعد سقوط نظام ​بشار الأسد​، واحدة من أضخم عملياتها الجوية، دمّرت خلالها ما بين سبعين وثمانين بالمئة من القدرات العسكرية للجيش السوري في غضون ثماني وأربعين ساعة. الأسطول البحري أُغرق في ميناءي اللاذقية والبيضاء، وأكثر من تسعين بالمئة من منظومات الدفاع الجوي طالتها الضربات، فضلاً عن مئات الأهداف من قواعد جوية ومستودعات صواريخ ومنشآت تصنيع. ما تبقى في حوزة دمشق اليوم لا يتجاوز الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وهي كافية ربما لضبط أمن داخلي هش، لكنها عاجزة تماماً عن تسيير عملية عسكرية منظمة خارج الحدود. وهنا يبرز التناقض الكبير في المقاربة الأميركية: إسرائيل هي التي جرّدت سوريا من ترسانتها، و​واشنطن​ هي التي تطلب من هذه الـ"سوريا المجرّدة" أن تحل معضلة أمنية بالغة التعقيد في بلد مجاور.

- العائق الثاني استراتيجي ويتصل بالحسابات السورية الداخلية. دمشق تدرك أن أي تدخل في لبنان، حتى لو كان محدوداً ومُبرراً أميركياً، سيمنح إيران وحزب الله ذريعة لاستهداف الأراضي السورية تحت عنوان "الدفاع عن الحلفاء". ودولة تحاول إعادة بناء مؤسساتها من الصفر لا تحتمل استدعاء عدو مباشر قبل أن تُحكم قبضتها على أمنها الداخلي. وقد أضافت ​تركيا​، الحليف الأهم للشرع إقليمياً، بعداً آخر حين نصحت دمشق صراحة بتجنب أي انخراط في الساحة اللبنانية. وحين يحذّر أقرب الداعمين، يضيق هامش المناورة السورية أكثر فأكثر.

- أما العائق الثالث والأهم فهو لبناني. الذاكرة الجماعية اللبنانية لا تفرّق في لحظة الغضب بين نظام الأسد ونظام الشرع (الجولاني)، خصوصاً وأن الاثنين "لم يقصّرا" في إيذاء اللبنانيين، فالوجود العسكري السوري يستحضر في الوعي اللبناني صوراً راسخة من الوصاية والاغتيالات، كما يعيد الى الذاكرة جرائم الجولاني بحق اللبنانيين من مدنيين وعسكريين. وبالتالي، أي قوات سورية تعبر الحدود ستواجه ردَّ فعل موحداً لن تقتصر على الشيعة الذين سيرون فيها تهديداً وجودياً، بل ستمتد إلى المسيحيين والسنّة الذين، رغم معارضتهم لحزب الله، يرفضون رفضاً قاطعاً أي وصاية خارجية وبالأخص السورية.

وهذا التدخل، إن حصل، سيعيد للحزب ما فقده: بعد أن أنهكته خسائر حرب 2024 وتراجعت شعبيته في البيئة اللبنانية، سيجد نفسه في موقع المقاوم لجهة تسعى إلى الاحتلال، فيستعيد الشرعية التي كانت تتآكل. بمعنى آخر، التدخل السوري لن يُضعف حزب الله بل سيعيد اليه عافيته بشكل سريع جداً.

كل هذا يقود إلى السؤال الجوهري: هل تؤمن واشنطن بهذه الفكرة؟ الأقرب إلى المنطق أن الورقة تحمل وظيفة مختلفة عن مضمونها المُعلن. إنها رسالة تحذير إلى حزب الله بأن البدائل قائمة، واختبار لمدى استعداد دمشق للاندراج في الأجندة الأميركية مقابل استمرار رفع العقوبات والدعم السياسي، وغطاء دبلوماسي يوحي بأن واشنطن "تعمل" دون أن تتحمل تكاليف التدخل المباشر. وهذا نمط راسخ في السياسة الخارجية الأميركية: تحميل أطراف إقليمية تبعات أهداف الادارة بدلاً منها. غير أن هذا التوظيف لا يخلو من كلفة. الشرع رجل يسير على خيط رفيع، ويدرك أن الاستجابة لمثل هذا الطلب من موقع ضعف عسكري وهشاشة داخلية هي رهان لا يملك رصيده، وأن خسارته ستكون مضاعفة: في الداخل السوري حيث تتآكل مشروعيته، وفي المحيط الإقليمي حيث يستدعي عليه أعداء لا يريد مواجهتهم قبل الأوان.

وعليه، فإن فكرة التدخل السوري في لبنان تكشف أكثر مما تخفي: إدارة أميركية تفتقر إلى رؤية متكاملة لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، وتتحرك بتكتيكات متفرقة تبحث عن نتائج آنية على حساب الاستقرار المستدام.