لطالما شكّلت العلاقات اللبنانية-السورية عنوانًا للاشتباك السياسي في لبنان، سواء في "ذروة" قوة النظام السوري السابق، أيام ما عُرِفت بالوصاية، التي يصنّفها كثيرون في خانة الاحتلال، حين كان السوريون يفرضون ويُطاعون، إن صحّ التعبير، أو في مرحلة "الثورة" التي بدأ معها نفوذ النظام بالتراجع، لحدّ طلب "النجدة" من "حزب الله"، وصولاً إلى مرحلة ما بعد سقوط النظام، حيث تسيطر الضبابية على المشهد إلى حدّ بعيد.
فمنذ وصول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الحكم، تحاول دمشق إظهار نفسها كلاعب إقليمي مختلف عن النظام السابق: زيارات متلاحقة لعواصم عربية وأحيانًا غربية، انفتاح على ملفات التعاون الاقتصادي والطاقة، ومحاولة تقديم صورة "الدولة الطبيعية" الساعية إلى تثبيت استقرار محيطها، ولو أنّ هذا النهج اصطدم بأحداث دموية، اختلطت فيها الطائفية بالعنصرية، ولم تخلُ من التجاوزات والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
ومع أنّ لبنان كان يفترض أن يكون الوجهة الأولى للنظام الجديد في سوريا بحكم التاريخ والجغرافيا، إلا أنّ المفارقة أنه بقي مستثنى من زيارات الحكّام الجدُد في دمشق، على الرغم من أنّ العديد من المسؤولين اللبنانيين، بمن فيهم رئيسا الحكومة الحالي نواف سلام والسابق نجيب ميقاتي زارا العاصمة السورية والتقيا الشرع، منذ الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد، في بادرة حسن نيّة، لم يقابلها الجانب السوري بزيارة مماثلة حتى الآن.
ولا تندرج زيارة الوفد التقني السوري إلى بيروت هذا الأسبوع في هذه الخانة، وقد بدت "بديلاً" عن زيارة الوفد الرسمي التي أرجئت أكثر من مرّة، وإن قيل إنّها تمهّد لها عمليًا، إلا أنها مع ذلك حملت بين طيّاتها، مؤشّرات على مسار جديد تحاول دمشق وبيروت رسمه، يبدأ من الملفات التقنية الأكثر تعقيدًا: الموقوفون، المفقودون، وترسيم الحدود. لكن خلف التفاصيل تبدو الإشكاليّة أكبر: فأيّ أفق للعلاقات اللبنانية السورية الجديدة؟!.
صحيح أنّ زيارة الوفد التقني السوري إلى لبنان هذا الأسبوع بقيت بعيدة عن الأضواء الإعلامية، واقتصرت على لقاء مع نائب رئيس الحكومة طارق متري، إلا أنّ هناك من يقرأها إيجابًا من زاوية أنّ السوريين واللبنانيين متفقون على ضرورة أن تكون الزيارة الرسمية الأولى "منتجة ومثمرة"، وبالتالي فلا جدوى من زيارة "صورية" تغلّب الشكل على المضمون، إن لم تكن مضمونة النتائج سلفًا، وهنا تكمن ربما أهمية اللجان التي تمّ الحديث عن تشكيلها.
بهذا المعنى، قد يبدو إعلان تشكيل لجنتين مختصتين -واحدة قضائية وأخرى حدودية- خطوة تقنية في الظاهر، لكنّه عمليًا يحمل أبعادًا سياسية صافية، خصوصًا أنّ هذين الملفّين بالتحديد يشكّلان أكثر القضايا سخونة وحساسيّة بين البلدين، وسط إصرار سوريّ مثلاً على إنهاء ملف المعتقلين السوريين في لبنان، عبر تسليمهم إلى بلادهم، وإصرار لبناني مقابل على وضع حدّ للإشكالات الحدودية، وهو ما يبدأ بإيجاد حلّ جذري لقضية النازحين المزمنة.
بالنسبة إلى الملف القضائي، فهو يتعلّق بأكثر من ألفي موقوف سوري في السجون اللبنانية، بينهم نحو 800 موقوف على ذمة قضايا أمنية مرتبطة بالإرهاب، علمًا أنّ السلطات السورية الجديدة تطالب لبنان بتسليمهم إليها، وسبق أن لوّحت "إعلاميًا" بإجراءات ضدّ لبنان في حال أيّ تقاعس، فيما يؤكد المسؤولون اللبنانيون وجود إشكاليّة قانونيّة غير بسيطة، إذ إنّ تسليم هؤلاء أو محاكمتهم في سوريا يحتاج إلى معاهدة جديدة تُقرّ بقانون في البرلمان اللبناني.
أما اللجنة الحدودية، فتعني أكثر من مجرد خرائط ورسوم، وفق ما يقول العارفون، إذ إنّها تلامس مباشرةً مسألة التهريب عبر المعابر غير الشرعية، التي شكّلت لعقود رئة اقتصادية ومالية لشبكات نافذة على ضفتي الحدود، كما أنّ الدخول في مسار "ترسيم وضبط" الحدود يعني عمليًا كسر منظومة مصالح مترسّخة، ما يفسّر بطء التقدّم وحذر الطرفين، لما ينطوي على ذلك من تبعات ومخاطر على أكثر من مستوى.
وبين هذين الملفين، يحضر الملف المؤجَّل الدائم، وهو ملف النازحين السوريين، الذي يصرّ لبنان على ضرورة حلّه جذريًا، خصوصًا مع تغيّر النظام في دمشق. لكن ما يعقّد المشهد أنّ أي حلّ واقعي لهذا الملف يحتاج إلى رعاية أممية وضمانات تمويلية من دول مانحة، ما يخرج عن قدرة الحكومتين اللبنانية والسورية وحدهما، في ظلّ انطباع سائد لدى أكثر من طرف بأنّ الجدّية في مقاربة هذا الملف لا تزال غائبة، بعيدًا عن حملات "العودة الطوعية" التي تبقى خجولة.
عمومًا، خلف الملفات القضائية والحدودية والإنسانية خيط سياسي أوضح: كيف ستُدار العلاقة الأمنية بين بيروت ودمشق في المرحلة المقبلة؟
من خلال التمسّك باللجان المشتركة، تُوجّه دمشق رسائل متعدّدة. أولها أنها ليست في وارد العودة إلى منطق "الإملاء"، أي السياسة التي اعتمدها النظام السابق، بل تعتمد آليات تفاوضية متوازنة. ثانيها أنها تريد إظهار الإدارة الجديدة كمنفتحة على الشفافية المؤسسية، حتى لو ظلّت الملفات حساسة. وثالثها أنها تترك للبنان مسؤولية ترتيب بيته الداخلي قبل أيّ زيارة وزارية تُعطي الانطباع بأن "القرار السوري" ما زال يعلو على الانقسامات المحلية.
لكنّ هذه الرسائل تصطدم برسائل أخرى، لا تبدو بذات المرونة أو الإيجابية، فما تسرّب قبل أسابيع مثلاً عن "إجراءات" تلوّح بها دمشق ضدّ لبنان لم يكن عفويًا، ولو نفاه النظام رسميًا بعد ذلك، كما أنّ غياب لبنان شبه الكلّي عن "أجندة" النظام حتى اليوم، كلّها مؤشّرات على "تحفظات" لدى هذا النظام على العلاقة مع لبنان، قد لا تخرج عن تلك الصورة السلبية التي كرّسها "الاقتتال" الذي شهدته الحدود قبل فترة، وتطلّب وساطات عربيّة وإقليمية من أجل إنهائه عمليًا.
في مطلق الأحوال، يمكن القول إنّ العلاقة اللبنانية - السورية اليوم تقف على عتبة اختبار جديد، وبالتالي، إنّ الأسابيع المقبلة ستكشف مدى جدية الطرفين. لم تعد المسألة مجرّد زيارات ومجاملات، بل ملفات قضائية وحدودية وحقوقية تمسّ عمق السيادة في البلدين. بالنسبة إلى لبنان، أيّ انفتاح على دمشق الجديدة يفرض حمايةً قانونية وسياسية تمنع العودة إلى "الزمن الرمادي". وبالنسبة إلى سوريا، النجاح في إبرام اتفاقات شفافة مع بيروت سيكون المؤشر الأوضح على تحوّلها من دولة محكومة بالهاجس الأمني إلى دولة تسعى إلى شراكة مؤسسية.
بالانتظار، تبقى اللجنتان المُعلَنتان، وربما غيرهما من اللجان التي يتمّ الحديث عن احتمال تشكيلها قريبًأ، عنوانًا واعدًا وجذابًا، لكنّ الزيارة الوزارية المؤجلة تختصر المعضلة: لا يمكن للإدارة الجديدة في دمشق أن تُطبع علاقاتها مع بيروت إلا إذا توازنت بين متطلبات الداخل اللبناني ومصالحها الإقليمية. ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية لمسارٍ سيظلّ مفتوحًا على احتمالات التقدم والتعثّر معًا، وربما على قدم المساواة!.























































