كل عام وعند اقتراب "العيد الكبير" تواجه الكنائس سيلًا من التمنيّات والأسئلة الرَعَوَيّة والراعويّة حول توحيد الرزنامة الفصحيّة. نفس الأسئلة تتكرر أيضاً في أسبوع الصلاة من أجل وحدة الكنائس. لاهوتيًّا نواجه أسئلة عامة ذات طابع لاهوتيّ-رَعَوِيّ على شاكِلَة: إنّنَا نصلِب المسيح مَرتين! ثمّ كيف يَعني أنّ المسيح يقوم مَرَّتين؟! كيف هذا؟ ومن جهة أخرى ثمة من يُحب الصُوَر الجامعة: أساقفة يحتفلون بعضُهُم مع بعض، والشعب كلُّه يتقدّم الى المناولة دون أيّ إقصاء أو تمييز.
عامةً، المسيحييِّون الشرقيّون يفتخرون بتحصيلهم الشهادات العالية. الّإلا أنهم يفشلون في إدخال العِلم الى اللّاهوت ولا اللّاهوت الى العِلم. ولغاية اليوم العلاقة مقطوعة بين الطَرَفين وبحاجة الى "ميكانيزم" لكيّ يتحاوروا. أمّا طريقة احتساب عيد الفصح مرتبطةٌ بعِلمِ الفَلَك. وهو عِلمٌ بَحت صَرف، لا دَخلَ للَّاهوت فيه لا من قريب ولا من بعيد. أمّا وقد قلنا هذا، ووضعنا المشاعر والرومانسيّة الكَنَسيَّة واللاهوتيّة جانبًا، فلتُحِط عِلمًا أنّ كلّ الكنائس الأورثوذكسيّة ألّفَت لجنةً لاهوتيّة - عِلميّة سنه 1983 لدراسة هذا الموضوع. وعَقبَ تَوصُّلِها الى خطأ التقويم اليُولِيّ، إنفَرَطَ عَقدُ اللجنة دون التوصُّل الى خلاصة أو بيان يُذكَر.
يجدر التأكيد أنَّ تَعَدُّد المرجعيّات الروحيّة هي إحدى أكبر المشاكل في هذا الإطار إن لم نقل أعظم المشاكل، إن لم نقل هي المشكلة الوحيدة. فالشعب الكاثوليكيّ مصطفٌ وراء قِيادة واحدة : الفاتيكان. أمّا بالنسبة للشعب الأورثوذكسيّ فلديه 15 بطريركًا و"الحبل على الجرّار". أضِف الى ذلك، فهنَاك هُوَّةٌ واسعة بين القيادات الكنسيّة والشعب الارثوذكسيّ الذي يرفض الإعتراف بالفشل "التارِيخِيّ" بأغلبيته الساحقة لأنّ الفَشَل هو من المحرَّمات (Taboo) في الشّرق الحبيب. هذا يعود الى كون المشرقييّن تعوّدوا على الإنتصارات منذ نشأتهم (نذكر على سبيل المثال صلب وصليب السيّد الرب قد تم فيما بيننا). نذكر هنا على سبيل المِثَال لا الحصر، طَلَب الاقباط الارثوذوكس في أبرشيّة أمريكا باعتماد التقويم المعمول به في تلك البلاد (وفي كلّ العالم)، إلّا أنّ هذا الأمر جُوبِهَ برفضٍ قاطع من كثيرين في مصر دون البحث في الأسباب الموجبة لهكذا طلب.
من جميع الحوارات المسكونية نترجّى شيئًا واحدا هي الشَرِكَة الافخارستيّة. لأنَّه، وبناءً على ما تقدّم، وإذا انتظرنا توحيد الاعياد، وتوحيد الرزنامة، وتوحيد السلطات الكنسيّة والشَرِكَة الافخارستيّة، فسوف ننتظر انتظارًا عظيمًا، والأرجح حتّى المجيء الثاني ولن يحصل هذا. لن أخدع أحدًا، ولن أطلق وعودًا فارغة، ولن أطلب توحيد هذا الفصح ولا أيّ فصح آخر، لانّه لن يحصل. ولن تتوّحد الرزنامات، ولن يتم دمج البطريركيات أو إلغاؤها أو المسّ بالعقائد أو تحديثها أو الاعتراف بالأخطاء والخطايا التاريخيّة واللاهوتيّة. لكنّ شيئا واحدا نطلبهُ، هو الممكن والمتاح، ومن دون المسّ بما تقدَّم، أيّ أن نستطيع تناول جسد ودم الربّ في كلّ كنيسة يدخلها كلّ معمّد باسم الآب والإبن والروح القدس. أيضًا الإعتراف بكهنوت بعضنا البعض ومَنح البطرشيل و"الدخول الى قدس الأقداس" في الاحتفالات الليترجية. جدير بالذكر أن هذه النقطة الأخيرة كانت من أسباب انشقاق 1054.
لكنّ حتّى الحيِن ما العَمَل؟ هنا يجب علينا أن نوضح بعض النِقاط.
أولاً: كلّ أعياد الربّ يسوع من الميلاد إلى الظهور، الى الشعانين، خميس العهد، الجمعة العظيمة، أحد القيامة المجيدة، الصعود، العنصرة... كُلها ذِكرى أو إستذكار لتِلكَ ألأحداث الخلاصيّة وليست حقيقةً بمعنى وقوع المناسبة في نَفس الوقت والزمان.
ثانياً: الكنيسة تستذكر تلك الأمور في إطار ليترجيّ تَعلِيميّ لكيّ تُدخِلَنا في، ومن ثمَّ تعطينا، هذا السرّ الفائق الادراك أيّ تجسّد السيّد الربّ وفداؤه الذي حصل. من جهةٍ أُخرى أعياد كثيرة يتمّ تقديمها وتأخيرها من دون أيّ مشكلة. مثلًا عيد البشارة، عيد زيارة العذراء، القدّيس جاورجيوس الى آخره...
أمّا الذكرى الحقيقيّة فهي الافخارستيّا. وحدها الافخارستيّا، وبالروح القدس، تُؤَوِّن تلك الاحداث وتصير حاضرة بالزمن ونعيشها حقيقة في سرِّ تحوّل الخبز الى جسد الربّ والخمر الى دم الربّ. تلك هي الأحداث الحقيقيّة. ضمنًا، وفي السياق الإفخارستيّ، نحتفل بِصَلب السيّد وقيامته الثُّلَاثِيَّة الأيّام. كل قُداس هو جمعة عظيمة، وقيامة مجيدة. نعم في كل قداس على مدار السنة. إذًا لا داعي لهذا الهلع حول تكرار الصلب والقيامة لأنهما يتكرران بالأساس لمدّة 365 مرّة في السنة بحدٍّ أدنى، وعلى مدار الساعة. أورِدُ فيما يلي النقاط التي تستذكر الصلب والقيامة في الليترجيّات ألإلهيّة:
في القدّاس البيزنطيّ أقتبِس: "فنحن إذ نذكر وصيّة المخلّص هذه. وكلّ ما جرى لأجلنا. الصّلب. والقبر. والقيامة في اليوم الثالث. والصعود الى السماوات. والجلوس عن اليمين. والمجيء الثاني المجيد أيضًا"[1].
في القدّاس الماروني: "بينما يُرتّل الشعب نشيدًا ملائمًا: يا أبانا الحق … أو: فلنطلب … أو: كرازة اليوم (بروديقي)، يقوم المحتفل برتبة الكسر –وهو يرمز إلى الصلب والموت-، والنضح –وهو يرمز إلى نضح الجسد بـالحياة المرموز إليها بالـدم-، والمزج –وهو يرمز إلى توحيد جسد المسيح ودمه، والرفعة –وهي ترمز إلى قيامة المسيح وصعوده إلى السماء وإلى إكمال سرّ الفداء– على الشكل التالي: يأخذ القربان بيمينه ويكسره فوق الكأس إلى جزئين، ثم يكسر جزءًا صغيرًا من طرف الجزء الباقي باليد الشمال، قائلاً سِرًّا"[2].
أمّا في القدّاس اللاتينيّ فيأتي الذِكر على الشكل التالي: "لِذَلِكَ فِيمَا نُحْيِي ذِكْرَى مَوْتِ ابْنِكَ وقِيَامتِه، نُقَدِّمُ لَكَ، أيُّهَا الآَبُ، خُبْزَ الحَياةِ وكَأْسَ الخَلاَص، ونَشْكُرُكَ عَلَى أَنَّكَ أهَّلْتَنَا لِأَنْ نَمْثُلَ أَمَامَكَ وَنَخْدُمَكَ. نَبْتَهِلُ إِلَيْكَ خَاشِعِين، نحْنُ الذِينَ نَشْتَرِكُ في جَسَد المَسِيح وَدَمِه، كَيْ يَجمَعَنَا رُوحُكَ القُدّوس ويُوَحِّدَنَا[3].
[1] كتب الليترجيّات الإلهيّة المقدّسة، اللجنة الليترجيّة البطريركيّة، المطبعة البولسيّة، جونية، 2006، ص. 126.
[2] كتاب القدّاس بحسب طقس الكنيسة الانطاكيّة المارونيّة، بكركي، 2005، ص. 760.
[3] كتاب القدّاس بحسب الطقس الروماني، مطبعة البطريركيّة اللاتينية، القدس، 2022، ص. 622.





















































