وسط أجواء بدت مشحونة إلى أقصى حدّ، وبلغت المخاوف معها الذروة من انفجار يطيح بالحكومة، وينزلق بالبلاد إلى المجهول، انعقدت الجلسة الحكومية المخصّصة لمناقشة خطّة الجيش لحصر السلاح بيد الدولة، على وقع انقسامٍ عموديّ، تُرجِم سريعًا بمشهد "مستنسَخ" عن جلستي الخامس والسابع من آب، من حيث انسحاب الوزراء المحسوبين على "حزب الله" و"حركة أمل"، قبل أن يلتحق بهم الوزير الشيعي الخامس.
وإذا كانت الوقائع التي أحاطت بالجلسة كرّست المخاوف من تفجير سياسيّ في الأفق، فإنّ المفاجأة جاءت بعد الجلسة، من خلال المواقف الإيجابية التي صدرت حتى عن "حزب الله"، الذي وصف بعض مسؤوليه ما جرى بـ"الفرصة للعودة إلى لغة الحكمة والعقل"، وهو موقفٌ بدا متقدّمًا مقارنةً بالموقف الذي اتّخذه الحزب بعيد الجلستين السابقتين، حين تحدّث عن "خطيئة" ارتكبتها الحكومة، بما وصفه "انصياعها" للإملاءات الأميركية والإسرائيلية.
وفي محاولة لفكّ "اللغز" وبالتالي تفسير ما جرى، خصوصًا على مستوى "تناقض" القراءات والمقاربات، يرى كثيرون أنّ الصيغة التي خرج بها البيان الختامي والتي حافظت على "توازن" مطلوب، وأبقت على "سرية" المداولات، نجحت في تبريد الموقف، بعدما حملت الكثير من الغموض الذي سمح لكل طرف بأن يقرأها على هواه، على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب" الرائجة لبنانيًا، تمامًا كما حصل في استحقاقات سابقة.
لكن هذا الغموض لم يبدّد الأسئلة الكبرى، بل زادها إلحاحًا: هل نحن أمام مسار قابل للتنفيذ، أم أمام صيغة مؤقتة تهدف فقط إلى كسب الوقت؟ وإذا كان صحيحًا أنّ مبدأ حصرية السلاح متفَق عليه ضمنًا بين مختلف القوى السياسية، بما فيها "حزب الله"، ولو جاهر بخلاف ذلك، وقد وافق على البيان الوزاري للحكومة الذي نصّ صراحة عليه، يبقى السؤال: كيف يمكن ترجمة المبدأ إلى خطوات ملموسة في بلد تتنازعه الانقسامات الداخلية والتجاذبات الإقليمية؟.
وفق المعطيات المتوافرة حول مداولات الجلسة، التي صُنّفت واحدة من الأكثر حساسيّة في التاريخ الحديث، فقد قدّم قائد الجيش خطته على شكل خمس مراحل متدرجة، تبدأ بضبط انتشار السلاح غير الشرعي وتنظيمه، وصولًا إلى دمجه أو سحبه تدريجيًا وفق آليات تراعي خصوصية الواقع اللبناني، لكن من دون جداول زمنية، ما جعلها أقرب إلى برنامج تقني يستند إلى إمكانات المؤسسة العسكرية وتجربتها في ضبط الأمن.
لكن سرعان ما ظهر أن "التقني" هنا لا يمكن فصله عن "السياسي"، إذ اصطدمت الخطة من لحظتها الأولى بسلسلة من التساؤلات الجوهرية: من يضمن التنفيذ؟ كيف يمكن تطبيقها من دون توافق وطني شامل؟ وهل يملك الجيش فعلًا القدرة على مواجهة ملف بحجم سلاح "حزب الله" من دون غطاء سياسي وإقليمي؟ وقبل كلّ ذلك، هل يمكن فعلاً تنفيذ الخطة، من دون خطوات إسرائيلية موازية، بوقف الخروقات والاعتداءات، والانسحاب من النقاط المحتلة؟.
لعلّ هذه التساؤلات تحمل بين طيّاتها "أسرار" تباين المقاربات في الداخل، فكلّ طرف أخذ منها ما ينسجم مع مصلحته لتصوير نفسه "منتصرًا". فـ"حزب الله" مثلاً اعتبر أنّ الحكومة "صوّبت" موقفها حين رهنت تطبيق الخطة بالتزام إسرائيل، وهو ما يعني أنّ التطبيق مجمَّد حتى إشعار آخر، في حين أنّ خصومه رأوا في عرض الجيش فرصة لترسيخ دوره المرجعي والانتقال من الشعارات إلى التنفيذ، وبالتالي استعادة هيبة الدولة، ولو تدريجيًا.
وجاءت "السرية" التي أحاطت الحكومة المداولات بها لتعزّز هذا التناقض، وإن أثارت اعتراضات بعض الأطراف، كـ"التيار الوطني الحر" الذي رأى أن مثل هذا الملف لا يمكن أن يُدار خلف الأبواب المغلقة، إذ إن نتيجتها كانت ولادة معادلة مألوفة في التجربة اللبنانية: لا غالب ولا مغلوب. ومع ذلك، فإن تحويل الخطة إلى "تسوية وسطية" يطرح تحديًا مزدوجًا، إذ يحفظ الاستقرار الحكومي ويمنع الانفجار الفوري، لكنه يُبقي الانقسام قائمًا من دون حلّ حقيقي.
بعيدًا عن التباينات الداخلية، كان لافتًا أن تسارع إسرائيل إلى انتقاد الخطة، إذ وصفت ما صدر عن الحكومة بأنه "ضبابي وسرّي"، ورأت فيه محاولة التفاف على الضغوط الدولية. أكثر من ذلك، هدّدت تل أبيب باستمرار الضغط العسكري والسياسي على لبنان، في رسالة واضحة مفادها أن أي صيغة لا تُترجم ميدانيًا ستُعتبر لاغية بالنسبة إليها، علمًا أنّها حتى الآن لم تبادر إلى أيّ خطوة، بل إنها ترفض تقديم أي ضمانات أمنية، ما يثير الكثير من علامات الاستفهام.
في مقابل الموقف الإسرائيلي "المريب"، يبقى الترقّب لمواقف القوى الخارجية المؤثّرة، من واشنطن إلى باريس، المعنيّتين بالشأن اللبناني، والتي يبدو أنّها تراقب بدقة ما إذا كانت بيروت ستتمكن من تحويل الخطة إلى خطوات عملية يقودها الجيش. وليس خافيًا على أحد أنّ الاهتمام الدولي هنا ليس محصورًا بملف السلاح فحسب، بل يتصل أيضًا بمدى قدرة الدولة اللبنانية على استعادة زمام المبادرة وإثبات نفسها كشريك موثوق.
في النتيجة، يبدو أنّ الجلسة الحكومية المُنتظَرة كرّست الانقسام، ولم توجِد الحلّ. في الداخل، الانقسامات واضحة: فريق يرى أن مجرد وضع خطة بإشراف الجيش يشكّل إنجازًا، وفريق آخر يعتبر أن الأمر لا يعدو كونه خطوة شكلية لتنفيس الضغط الدولي. بعبارة أخرى، بدت الخطة وكأنها مفترق طرق: إمّا تُفتح بوابة جدّية نحو تنظيم السلاح ضمن مؤسسات الدولة، وإمّا تُطوى الصفحة سريعًا كما طُويت محطات سابقة، لتبقى حصرية السلاح شعارًا بلا ترجمة.
بهذا المعنى، تبقى الخطة أقرب إلى معركة سياسية مؤجّلة منها إلى خطوة تقنية ناجزة. فلبنان الذي حاول أن يقدّم للعالم صورة عن تقدّم نحو تنظيم السلاح، قد يكون في الواقع قد كشف مرة أخرى عن محدودية قدرته على الحسم. وبين سرديات الداخل وضغوط الخارج، سيبقى السؤال معلّقًا: هل تستطيع الدولة أن تتحوّل فعلًا إلى المرجعية الوحيدة للسلاح، أم أن "الخطة" ستنضم إلى لائحة طويلة من المبادرات التي وُلدت لتؤجَّل؟.























































