لا يمكن لاحد ان ينكر التغييرات الجذرية التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين وابرزها على الاطلاق اضعاف القدرات العسكرية لحزب الله التي باتت محدودة جداً، وتراجع النفوذ الإيراني وانهيار نظام بشار الاسد... ولا تزال إسرائيل تمنع عودة سكان مستوطناتها الشمالية الذين تم اجلاؤهم بفعل تصاعد التوتر مع حزب الله، وقيل حينها ان عودتهم هي احد الاهداف الرئيسية للحرب على لبنان، فيما لم يعد احد يتكلم عن هذا الامر في الداخل الاسرائيلي، حتى من باب المجاملة. ووفق المشهد السياسي والعملاني، يبدو أن هذا المنع الإسرائيلي لا يعود ببساطة إلى الخشية من عودة التصعيد، بل إلى حسابات أعمق تتعلق بالمشهد اللبناني تحديدًا، وبأجندة استراتيجية قديمة متجددة: إعادة هندسة الشريط الحدودي، وربما الدفع باتجاه ما يُشبه "إسرائيل الكبرى" بنسختها الأمنية-الجغرافية.
لا شك ان الجنوب اللبناني دخل اليوم مرحلة من الفراغ المزدوج: فراغ واقعي وعمليّ نتيجة عدم القدرة على اعادة الاعمار بعد ان سوّت اسرائيل مناطق وبلدات بالارض جراء وحشية اعتداءاتها، وفراغ أمني بعد غياب حزب الله عن المشهد هناك، ومنع الجيش اللبناني من استكمال انشاره على طول الحدود، والعمل على انهاء وجود"اليونيفيل"، والاصرار على عدم الانسحاب من الاراضي التي احتلتها اسرائيل بعد اتفاق وقف الاعمال العدائية العام الفائت، بشكل غير منطقي. هذا النوع من الفراغ ليس بالضرورة عبئاً على اسرائيل كما تحاول الايحاء به، وها هي تروّج، عبر قادتها وبعض المسؤولين غير الرسميين، من ان الخوف هو من قدرات "قوة الرضوان" على القيام بعملية كوماندوس او غزوات سريعة لبعض المناطق المتاخمة للحدود، وهو قول لا يمتّ الى الواقع بصلة، لان اسرائيل نفسها تفاخر بالقضاء على هيكلية هذه القوة وغالبية عناصرها، ناهيك عن ان هذا القلق لو كان جدياً، لدفعها الى الاسراع في تسليم الجيش اللبناني مسؤولية الحدود من جهة، وضمان بقاء "اليونيفيل" كقوة دولية ضامنة من جهة ثانية، خصوصاً في ظل التطورات الجديدة التي تؤكد فاعلية هذا التواجد اللبناني والدولي على الحدود.
تاريخيًا، لطالما سعت إسرائيل لإقامة منطقة عازلة داخل الجنوب اللبناني. منذ دعمها لـ"جيش لحد" في الثمانينات والتسعينات، كانت الرؤية الاستراتيجية تقوم على ضرورة خلق حزام أمني يمنع الاحتكاك المباشر مع أي قوة مقاومة لبنانية. ومع أن الانسحاب من لبنان عام 2000 بدا كأنه نهاية لهذه الاستراتيجية، إلا أن الأحداث الأخيرة، وتحديدًا الحرب الكبيرة على لبنان، فتحت مجددًا نافذة لإحياء الفكرة ولكن بأسلوب أكثر براغماتية ودهاء. فبدل الدخول العسكري الكامل، تُلمّح إسرائيل الآن إلى نوايا تحويل الجنوب اللبناني إلى "أرض مهجورة" غير مأهولة أو خاضعة لسيطرة مركزيّة، عبر الضغط العسكري المتواصل وعرقلة أي إعادة إعمار أو تنظيم أهلي، وصولاً الى فكرة الداعم الاكبر لها اي الرئيس الاميركي دونالد ترامب (عبر موفده السفير طوماس براك) اقامة منطقة اقتصادية على الحدود. وبذلك، تصبح المنطقة العازلة أمرًا واقعًا من دون إعلان رسمي. هذا ما يُفسر التريث الإسرائيلي في إعادة سكان الشمال، لأن الهدف ليس فقط تأمين عودتهم، بل تأمين عمق أمني دائم داخل الأراضي اللبنانية نفسها.
لا يمكن تجاهل الخلفية العقائدية لبعض قادة اليمين الإسرائيلي، خصوصًا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذين لطالما تحدثوا بشكل ضمني أو مباشر عن "إسرائيل الكبرى" بحدود أوسع من المعترف بها دوليًا. صحيح أن المشروع لم يُترجم إلى خرائط رسمية حديثة، إلا أن السلوك على الأرض، خصوصًا في غزة والضفة الغربية والجولان والجنو، يظهر ميلاً لتوسيع المساحات التيتسيطر عليها القوات الاسرائيلية.
في الجنوب، قد تكون الفرصة مؤاتية لتطبيق نسخة محدودة من هذا المشروع ليس بالضمّ الرسمي، ولكن بالتحكّم الفعلي بالأرض عبر الإخلاء القسري، الضغط الاقتصادي، وتفريغ الشريط الحدودي من الحياة. وفي هذا السياق، لا تكون عودة سكان كريات شمونة أو المطلة مجرد قضية "داخلية"، بل جزءًا من إعادة رسم الحدود الشمالية.
بناء عليه، لا يبدو أن عدم عودة سكان الشمال الإسرائيلي يُفسَّر فقط بغياب الاستقرار، بل بالأحرى بوجود استراتيجية أعمق: خلق واقع حدودي جديد من خلال استغلال ضعف لبنان ومحور المقاومة. إسرائيل لا تنتظر "الهدوء" بقدر ما تنتظر "الفراغ" الكامل الذي يُتيح لها توسيع نطاق سيطرتها غير المعلنة. وحتى يتحقق ذلك، ستظل مستوطنات الشمال منطقة "مهجورة"، الى حين احداث التغييرات المنشودة.





















































