شهدت الساعات والأيّام القليلة الماضية مُحاولات حامية لفرض مُعادلات جديدة، وتمرير رسائل بالنار في غير اتجاه، وتهديدات مُتبادلة، واستعراضات ناريّة الطابع... وكذلك الكثير من التكاذب! ماذا في التفاصيل؟

ادّعى الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ أنّ الولايات المتحدة الأميركية تُعارض خطوات رئيس الوزراء ال​إسرائيل​ية ​بنيامين نتنياهو​ العسكريّة ضُدّ ​إيران​، وعمّم العديد من التصاريح الإعلامية التي حاولت تثبيت هذا الادعاء. لكنّ الحقائق على الأرض دلّت على غير ذلك، حيث كشفت تقارير عدّة عن سلسلة من الجُسور الجويّة الأميركية إلى إسرائيل خلال شهري نيسان وأيّار، تمّ خلالها نقل آلاف الأطنان من الأسلحة والذخائر. وعندما تصاعدت التهديدات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس الأميركي يتدخّل إعلاميًا بوجه نتنياهو، تحدّثت تقارير استخبارية عن تعبئة أعداد كبيرة من طائرات شحن الوقود الأميركية المرابطة في مطارات إسرائيلية متعدّدة، منها ​مطار بن غوريون​، وتحضيرها للتحرّك العملاني الفوري لمؤازرة الطيران الإسرائيلي عند توجّهه إلى محيط الأجواء الإيرانية لتنفيذ الغارات. وعندما بدأت إيران بتوجيه دفعات صاروخية نحو إسرائيل، ساعدت الصواريخ الإعتراضية الأميركية، تلك التي تملكها إسرائيل، في إسقاط العدد الأكبر من ​الصواريخ الباليستية​ قبل وُصولها إلى أهدافها في العمق الإسرائيلي. وبالتالي أظهر ما حصل، عمليّة توزيع أدوار مدروسة بين ​واشنطن​ وتل أبيب، ومُحاولة لتأكيد جهوزيّة العصا–إذا جاز التعبير، في حال أصرّت إيران على تجاهل الجزرة التي يُحاول ترامب تقديمها لها في الاتفاق الموعود.

بالانتقال إلى إيران، لم يكن إطلاقها للصواريخ نحو إسرائيل، بغرض حماية ​لبنان​ واللبنانيّين، ولا القضية الفلسطينيّة التي تكرّر ​طهران​ بأنّ "المحور" كلّه يرفع رايتها. فالجيش الإسرائيلي أباد سُكان غزّة (نحو 73 ألف قتيل وأكثر من 173 ألف جريح) ودمّر مبانيها عن بكرة أبيها، واحتلّ 60% من مساحتها، ولم تُحرّك إيران ساكنًا. وضرب الضاحية وتدمير لبنان ليس بجديد، بل هو فعل متواصل من جانب إسرائيل منذ أكثر من سنتين، ناهيك عن الجولات الماضية. وبالتالي، إنّ إيران وجّهت من خلال قصفها إسرائيل في عطلة نهاية الأسبوع رسالة مزدوجة، إحداها للأميركيّين والأخرى للإسرائيليّين. الرسالة لترامب تؤكّد أنّ استمرار الحصار الأميركي الخانق على موانئ إيران، سيدفعها إلى العودة للقتال وليس إلى الاستسلام، في محاولة لدفع الإدارة الأميركية إلى التعجيل في بت اتفاق التسوية المنشود، وعدم المُماطلة أكثر بغية تحسين الشروط. والرسالة لنتنياهو تؤكّد أنّ إيران يمكن أن تغضّ الطرف عن احتلال قسم من لبنان، وعن سقوط آلاف القتلى والجرحى، لكنّها لا يُمكن أن تقبل بسحب السلاح الأهمّ الذي تملكه والذي دفعت من أجله أموالًا طائلة على مدى عُقود، وهي قدرة "​حزب الله​" على استهداف إسرائيل بالصواريخ. فإنهاء هذه القُدرة بشكل كامل، يعني إفقاد إيران ورقة ضغط لطالما لوّحت بها بوجه إسرائيل، ولطالما وظّفتها بشكل أو بآخر على طاولات التفاوض الدَولية.

في ما خصّ إسرائيل، فهي ذهبت إلى مرحلة التصعيد كونها لم تعد قادرة على تحمّل المزيد من التنازلات. فالاستنزاف الذي تتعرّض له قوّات الاحتلال في الجنوب، على يد مقاتلي "حزب الله" صار يُشكّل ملفًّا ضاغطًا على مستقبل نتنياهو السياسي، وكذلك على مصير حزبه والائتلاف الذي يرأسه على أبواب الانتخابات الداخلية. ولا يمكن بالتالي أن يقبل بمزيد من الخسائر المعنوية، والتي يستغلّها خُصومه في إسرائيل إلى أقصى الدرجات، على غرار عدم قُدرته على الردّ على استهداف العمق الإسرائيلي، وعدم قدرته على الخروج من تحت عباءة ما يُقرّره الرئيس الأميركي، إلخ. من هنا، جاء تحرّك الجيش الإسرائيلي بغرض استعادة المبادرة القتالية، وتأكيد رفض الانصياع لتهديدات إيران، وإظهار استمرار تمتّع إسرائيل بقدرات الردع، إن بوجه "حزب الله" أو بوجه إيران، حتّى لو أسفر ذلك عن العودة إلى الحرب المفتوحة على كل الجبهات. وكما أظهرت الساعات الماضية، تواصل قوات الاحتلال تهديداتها ضُدّ الضاحية وبيروت، وغاراتها واستهدافاتها وإنذاراتها في الجنوب والبقاع الغربي، موقعة المزيد من الضحايا والدمار، ومُسبّبة المزيد من موجات النزوح، من دون لا حسيب ولا رقيب!

وسط هذه الأجواء والمعطيات، عادت الكرة إلى ملعب "الحزب"! فهو الوحيد القادر على إظهار مدى جدّية تهديدات كل من إيران وإسرائيل، بعد جولة الصواريخ والغارات الأخيرة. فمنذ دخول إيران على خط المواجهة في الجنوب، أوقف "حزب الله" (أقلّه حتى إعداد هذا المقال) استهداف إسرائيل بالصواريخ، لأنّه بمجرّد القيام بذلك، سيضع مصداقيّة التهديدات الإسرائيلية بضرب الضاحية على المحكّ، وكذلك مصداقيّة التهديدات الإيرانيّة بالرد على ذلك باستهداف العمق الإسرائيلي. وبالتالي، بما أنّ المعركة في لبنان ما زالت مفتوحة على مصراعيها، صارت نتيجة الكباش الإقليمي الحاصل بين طهران وتل أبيب مربوطة بمسألة ردّ "الحزب" على المجازر الإسرائيليّة بضرب مستوطنات الشمال من عدمه. والمسألة لم تعد عبارة عن هدم جدار منزل في إحدى المستوطنات أو إحراق سيّارة فيها، بل تثبيت معادلات عسكريّة على مستوى المنطقة بأكملها.

في الختام، من الضروري الإشارة، إلى أنّ "الحزب" ومن خلفه إيران، يراهنان على التمكّن من الوُصول إلى اتفاق تسوية بين واشنطن وطهران في أقرب وقت، على أن يشمل في أحد بنوده وقف القتال نهائيًا في لبنان، الأمر الذي يعني وقف الضغط العسكري الكبير الذي تمارسه إسرائيل على "حزب الله" منذ أكثر من سنتين. وإذا كان هذا الأمر يمرّ بوقف قصف إسرائيل، فلن يتردّد "الحزب" في التوقّف عن استهداف المستوطنات الشمالية، ولوّ على مضض. أمّا في حال العكس وتعثّر ما يُوصف بالأمتار الأخيرة من جولات التفاوض قبل التوصّل إلى اتفاق نهائي، فسيقوم "الحزب" بتجديد قصفه لهذه المستوطنات، مُستدرجًا ردودًا عسكرية إسرائيلية وإيرانية متبادلة لكسر الجمود.

ناجي س. البستاني