لم يكن القرار الأخير ل​مجلس الوزراء​ بشأن "اقتراع غير المقيمين" مجرد إجراء تقني أو توضيح قانوني، بل كشف في العمق حجم المأزق الذي يواجه السلطة اللبنانية عشية الانتخابات المقبلة.

الحكومة، التي التزمت في بيانها الوزاري إجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية، سارعت إلى التذكير بأن النصوص الراهنة في قانون الانتخاب مشوبة بثغرات وغموض، خصوصاً في المادتين 112 و122، بما يستدعي تدخّل المشترِع لتوضيح الأحكام ومنع التفسيرات المتناقضة. بهذا التوصيف، رمت السلطة التنفيذية كرة النار باتجاه المجلس النيابي، مؤكدة أن صلاحيتها محصورة بالتفاصيل التنفيذية المنصوص عليها في المادة 124، فيما يبقى جوهر القانون بيد المشرّع وحده.

بحسب مصادر سياسية مطّلعة فإن المجلس الوزاري أقرّ عملياً أن الحكومة عاجزة عن الحسم، وفضّل تحصين نفسه ضد أي طعون محتملة في المستقبل، خصوصاً في ما يتعلّق ب​اقتراع المغتربين​، المقاعد الستة المخصّصة لهم، إضافة إلى إشكالية ​الميغاسنتر​ والإجراءات التقنية المرتبطة به. وهكذا، تحوّل المشهد بحسب المصادر إلى معادلة جديدة عنوانها أن الحكومة تتنصّل من المسؤولية السياسية عبر تكليف وزير الداخلية بإطلاع اللجان النيابية المشتركة على الثغرات، في وقت يدرك الجميع أن معالجتها لا يمكن أن تتم من دون تعديل قانوني، أي من داخل البرلمان، أو الالتزام بالقانون ما يجعل الاستحقاق في مهب التأجيل.

ترى المصادر عبر "النشرة" أن هذا السلوك يفتح الباب واسعاً أمام تفسيرات متناقضة. فمن جهة، يعتبره المطالبون بانتخاب المغتربين ضمن الـ128 نائباً كاملاً فرصة للاستمرار بالضغط على الكتل النيابية، خصوصاً أن الحكومة لم تُبدِ حماسة لتطبيق النصوص كما هي، بل لجأت إلى التذرع بالصعوبات العملية. ومن جهة أخرى، قد يعكس الأمر رغبة واضحة في تأجيل المواجهة، وربما تهيئة مخرج تقني قانوني يتيح ترحيل بعض البنود أو تعطيل تطبيقها.

تُشير المصادر إلى أن الخشية الكبرى اليوم أن يتحوّل هذا الجدل القانوني إلى مدخل لتأجيل الاستحقاق برمته. صحيح أن جهات دبلوماسية وازنة، تؤكد أن الانتخابات ستجري في موعدها الدستوري وتُشدد على أن المجتمع الدولي بدأ فعلياً بترتيباته المرتبطة بالعملية الانتخابية، إلا أن الوقائع الداخلية تطرح علامات استفهام كبيرة فهل يملك المجلس النيابي القدرة والوقت لإقرار التعديلات اللازمة؟ وهل يجرؤ على فتح نقاش واسع في ملف بالغ الحساسية كاقتراع المغتربين والميغاسنتر، في ظل الانقسام السياسي العميق؟.

ثلاثة سيناريوهات أمام المجلس النيابي بحال أقر الجميع بأن الانتخابات ستجري في موعدها، إما تعديل القانون بما يخدم المطالبين باقتراع المغتربين للنواب في لبنان كما حصل في الانتخابات الأخيرة، وهو ما يبدو أن رئيس الحكومة يدفع باتجاهه، وإما إبقاء القانون كما هو على ان ينتخب المغتربون ستة نواب يمثلون القارات الست، وإما إلغاء مسألة اقتراع المغتربين بالكامل.

في الخلاصة، بين الضغوط الدولية التي تلوّح بعواقب أي تعطيل، وحسابات القوى الداخلية التي ترى في كل تعديل أوتأجيل مكسباً أو خسارة، يبدو أن لبنان يدخل مجدداً في لعبة المهل الضائعة، حيث تبقى الانتخابات محطة مقرّرة على الورق، لكن على أرض الواقع، لا أحد يملك يقيناً كاملاً بموعدها ولا بشكلها النهائي.