لفتني بالامس ما صرّح به السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، خلال مشاركته في المؤتمر السنوي لصحيفة "جيروزاليم بوست"، بأن "إسرائيل ليست مجرد حليف، بل الشريك الحقيقي الوحيد للولايات المتحدة"، اضافة الى عدد من المواقف "التاريخية" التي تضع السامع في موقف محيّر حول هوية المتحدث: هل هو سفير اميركا لدى اسرائيل ام سفير اسرائيل لدى اميركا؟ هذه المواقف تحمل من الدلالات السياسية والتاريخية أكثر مما يبدو على السطح، وتعكس تعرية واقعة للمواقف الدبلوماسية الاميركية في عالم نجحت فيه واشنطن في تسلّم الدفة وحيدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
ولا بد من التوقف عند بعض ابرز ما قاله هاكابي، نظراً الى خطورته اولاً والى انعكاسه على الوضع في المنطقة ثانياً:
-وصف إسرائيل بأنها "الشريك الوحيد الحقيقي" لا يُعبّر فقط عن دعم دبلوماسي تقليدي، بل يضع بقية الحلفاء الأميركيين في العالم والمنطقة على الهامش، بمن فيهم الأوروبيون. هذا التعبير يعكس تحوّلًا في الخطاب الأميركي من علاقة تحالف مبنية على المصالح إلى علاقة انصهار تام في الرؤية الإسرائيلية، مهما كانت مخالفة للقانون الدولي أو مدمّرة لمسار السلام.
-واتبع ذلك بالقول: "لن نملي على إسرائيل ما يمكنها فعله، كما لا نتوقع منها أن تملي علينا ما يجب أن نفعله". هل من عاقل يصدق هذا الكلام؟ هل من المنطقي ألاّ تستطيع الولايات المتحدة، الممول الأول لإسرائيل عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، حتى التعبير عن موقف معارض لسياساتها؟ أليس هذا تأكيدًا على أن العلاقة تسير باتجاه تبعية معكوسة، حيث الدولة العظمى تتحرك ضمن خطوط رسمها طرف أصغر منها حجمًا ولكن أعمق نفوذًا في دوائر القرار الأميركية؟.
-لم يكتفِ هاكابي بالدفاع عن السياسات الإسرائيلية، بل هرول الى تغيير الحقائق والثوابت التاريخية والسياسية، حين قال إن مصطلح "الضفة الغربية" "غامض وغير دقيق"، وإن الاسم الصحيح لها هو "يهودا والسامرة". هنا، لا نتحدث عن رأي شخصي، بل عن تبني رواية من قبل سفير يمثل دولة علمانية ديمقراطية، غير مثبّتة تاريخياً ودينياً، ولكنها متداولة من قبل المتشددين اليهود على انها حقيقة. وللعلم فقط، فإن يهودا والسامرة ليست حقاً حصرياً لليهود، فهي كانت مسكونة قبلاً من قبل العبرانيين واليبوسيين... ولم يسيطر عليها اليهود الا مؤخراً، وهذه حقيقة تاريخية ودينية لا يمكن التشكيك بها. وبذلك، يتقاطع كلام هاكابي مع أخطر وجوه الخطاب الصهيوني: إلغاء الفلسطينيين من الجغرافيا والتاريخ معًا.
-أفتى "السفير النابغة" بأن القدس هي "العاصمة الأبدية غير القابلة للتقسيم للدولة اليهودية" ضارباً عن قصد، كل القرارات الدولية، وواقع أن القدس الشرقية أرض محتلة منذ عام 1967. الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الخطاب يُغلق الباب أمام أيّ حل تفاوضي ممكن. فعندما يُعلن سفير الدولة الراعية لعملية السلام أن القدس كلها لإسرائيل، فما هو دور واشنطن إذًا؟.
هل ما زالت وسيطًا؟ أم أصبحت طرفًا منحازًا بالكامل يشارك في صياغة مشروع استيطاني ديني–سياسي لا يعترف حتى بوجود "الآخر الفلسطيني"؟.
-اعاد هاكابي اتفاق اوسلو، الذي اغتالته اسرائيل ونكّلت به مراراً وتكراراً، وقال ان أي اعتراف دولي بدولة فلسطينية يعد خرقًا لاتفاق أوسلو. فتل أبيب نفسها لم تلتزم بأوسلو، فقد ضاعفت الاستيطان، ووسّعت سيطرتها العسكرية على المناطق المصنفة (ج)، وأبقت على نظام فصل عنصري فعلي. فهل تبقى "أوسلو" صالحة فقط كأداة لمنع الاعتراف بالفلسطينيين، بينما تنتهك من الجانب الآخر يوميًا؟ ان جوهر هذا الاتفاق كان السير نحو دولة فلسطينية من خلال التفاوض، لا أن تتحول الاتفاقية إلى ذريعة دائمة لمنع الاعتراف بأي حق سياسي للفلسطينيين.
-ما يُثير الأسى أن هاكابي يتحدث من على منصة إسرائيلية، في القدس، وهو يعلم أن جزءًا من هذا الدعم الأميركي الذي يمكّنه من الجلوس هناك، يأتي من أموال عربيّة. فالدول العربية، سواء عن طريق صفقات السلاح الضخمة، أو ودائع البنوك المركزية، أو الاستثمارات في السوق الأميركي، تساهم بشكل غير مباشر في تمويل الآلة التي تحمي إسرائيل وتمحي التاريخ العربي وغير العربي في المنطقة.
لا يمكن تصنيف تصريحات ومواقف هاكابي بأنها زلّة دبلوماسية، بل انعكاس واضح للخط الاميركي تجاه اسرائيل، وسيرها الاعمى وغير المشروط خلفها، الى ايّ جهة ارادت، كصورة ولد صغير يجرّ خلفه مارداً يخيف به الجميع.
في ظل هذا الواقع، لم تعد المشكلة في "انحياز أميركي"، بل في تحوّل واشنطن إلى ناطق رسمي باسم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، وفي صمت عربي لا يملك حتى حق الاعتراض الرمزي...






















































