فتح الإعلان عن إتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، في 17 أيلول، الباب أمام الكثير من الأسئلة، حول التوازنات الإقليمية في المرحلة الراهنة، خصوصاً أن هذا الإتفاق لا يمكن أن يُفصل عن مجمل التحولات القائمة، لا سيما في المرحلة التي تلت عملية "طوفان الأقصى".
في هذا السياق، قراءة أبعاد هذا الإتفاق تتطلب الإشارة إلى حالة الفراغ على مستوى توازن القوة في المنطقة، بعد النتائج التي أفرزها العدوان الإسرائيلي على لبنان، ثم سقوط النظام السوري وحرب الـ12 يوماً على إيران، نظراً إلى أنها ساهمت في تكريس هيمنة تل أبيب، ما قادها إلى التمادي، من خلال الهجوم الذي نفذته على الدوحة.
مظلة باكستان النووية
على الرغم من التوتر الذي يطغى على العلاقات الإيرانية السعودية منذ سنوات، إلا أن الهجوم على العاصمة القطرية أحدث صدمة في الأوساط الخليجية، حيث أظهر أن إسرائيل قد تبادر إلى تكرار ذلك في عواصم أخرى، في حين أن هذا الهجوم جاء بالتزامن مع قيادة الرياض معركة دبلوماسية، على مستوى الإعتراف بالدولة الفلسطينية، بالإضافة إلى عودتها لممارسة دورها على أكثر من ساحة، سوريا ولبنان على سبيل المثال.
إنطلاقاً من ذلك، يوضع هذا الإتفاق في إطار سعي الرياض إلى بناء تحالفات أمنية جديدة، على قاعدة تراجع الثقة بالمظلة التي تؤمنها أميركا، لكن الأهم أن هذا الإتفاق يضع السعودية تحت مظلة نووية غير معلنة توفرها باكستان، حيث أن البند الأبرز يعرف الإعتداء على إحدى الدولتين بأنه اعتداء على كليهما، بينما أفاد وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف بأن برنامج بلاده النووي سيكون متاحاً للسعودية، إذا ما استدعت الضرورة.
بناء على ما تقدم، وصف هذا الإتفاق بأنه أول قرار دفاعي تتخذه دولة خليجية بعد هجوم الدوحة، لكن يبقى الأهم هو أن الكثير من علامات الإستفهام بدأت تُرسم، حول إمكانية أن يقود إلى المزيد من الإتفاقات المشابهة، خصوصاً أن وزير الدفاع الباكستاني نفسه كان قد تحدث عن ضرورة تأسيس "ناتو" إسلامي.
ماذا عن إيران؟
في هذا المجال، يُنظر إلى الضربات التي تعرضت لها طهران مع حلفائها، على أنها العامل الرئيسي في كسر توازن القوة، بالرغم من أن القسم الأكبر من الدول العربية كان يعتبر أن إيران التهديد الأول، إلا أن الواقع الراهن إعاد التركيز على خطر تل أبيب.
قبل "طوفان الأقصى"، كان الحديث الأبرز، على الساحة الإقليمية، عن إحتمال توقيع إتفاق تطبيع بين الرياض وتل أبيب، لكن الأخيرة رفضت أحد أبرز الشروط التي تضعها الأولى، أي حل الدولتين، وهو ما يتأكد من خلال مختلف التصريحات التي تصدر عن مسؤولين إسرائيليين.
في المقابل، تبرز التهدئة القائمة على مستوى العلاقات الإيرانية السعودية، التي بدأت منذ توقيع إتفاق بكين في العام 2023، الذي لم يفرز نتائج عملية، لكن من الممكن أن تتبدل الأمور في المستقبل، لا سيما أن باكستان قد تلعب دوراً، نظراً إلى أن مواقفها، خلال الحرب على إيران، كانت واضحة، خصوصاً أن تل أبيب، أحد أبرز حلفاء الهند، تُصنف باكستان على أنها عدو، مع العلم أن البعض يعتبر أن طهران مفترض أن تكون قلقة من هذا الإتفاق.
ضمن هذا السياق، من الممكن الإشارة إلى الدعوة التي كان قد توجه بها أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم إلى الحوار مع السعودية، نظراً إلى أن هذه الخطوة ما كانت لتحصل دون ضوء أخضر إيراني، لا سيما أنها جاءت بعد زيارة قام بها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى الرياض، وبعد لقاء جمع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على هامش القمة العربية الإسلامية.
الصين لاعب أساسي
في خلفية هذا الإتفاق، لا يمكن تجاهل موقف الهند، التي تتميز بعلاقات مهمة مع إسرائيل ومضطربة مع باكستان، حيث عبرت عن أملها في أن تراعي السعودية المصالح والحساسيات المتبادلة بين البلدين، مشيرة إلى أن بين الرياض ونيودلهي علاقات استراتيجية واسعة النطاق، تعمقت بشكل كبير في السنوات الماضية.
هنا، من الممكن العودة إلى التوتر العسكري الذي حصل بين الهند وباكستان، في شهر أيار الماضي، لكن الأهم الدور الصيني، بعد أن برزت بكين من خلال الدعم العسكري والتكنولوجي الذي تقدمه إلى إسلام آباد، حيث كانت النظرة، إلى الحرب القصيرة التي دارت بين الجانبين، على أنها منافسة بين التقنية الحربية الصينية التي تستخدمها باكستان، والسلاح الأوروبي المتطور الذي يستخدمه الجيش الهندي.
في ذلك الوقت، طُرحت أسئلة حول مستقبل الصراع في تلك المنطقة، خصوصاً أن القوى الغربية كانت تعتبر الهند عماد مشروعها لمواجهة الصين، حيث التنافس بين مشروعين: طريق الحرير الصيني والخط الهندي نحو الخليج ثم أوروبا، وهو ما سيتعمق أكثر في المرحلة المقبلة، نظراً إلى أن الرياض كانت من ضمن مشروع الخط الهندي عند الإعلان عنه.
في هذا المجال، من الممكن العودة أيضاً إلى الدور الذي لعبته بكين في الإتفاق السعودي الإيراني، المذكور في الأعلى، لكن السؤال يبقى حول ما إذا كانت الرياض مستعدة للذهاب بعيداً في هذه الخطوات، خصوصاً أن إستراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقوم على أساس محاصرة النفوذ الصيني، مع العلم أن العلاقات بين واشنطن ونيودلهي كانت قد شهدت توتراً، نتيجة سياسة الرسوم الجمركية، بينما كان ترامب قد أشار، بعد قمة منظمة شنغهاي للتعاون في الشهر الحالي، إلى أنه "يبدو أننا خسرنا الهند وروسيا أمام الصين الأعمق والأكثر ظلمة".
في المحصلة، يعكس الإتفاق السعودي الباكستاني تحولاً كبيراً، على مستوى قراءة التوازنات على مستوى المنطقة، حيث العنوان الأبرز قد يكون بحث الرياض عن مظلة أمنية رادعة، إلا أنه قد يكون من المبكر فهم التداعيات التي من الممكن أن تترتب عليه، بسبب التداخل الحاصل بين مجموعات من المعطيات الإقليمية والدولية.
























































