منذ أسابيع والجنوب يعيش على وقع مزيجٍ متناقض، اجتماعات دولية تتحدث عن "الميكانيزم" وآلية ضبط وقف إطلاق النار، فيما الطائرات الإسرائيلية لا تفارق سماءه، والغارات تتكثّف مع كل محطة سياسية. الاجتماع الأخير للجنة مراقبة قرار وقف إطلاق النار جاء ليكرّس هذه المفارقة.
في اللقاء الأخير، حرص الجيش اللبناني على إيصال رسالته الرسمية الواضحة بأن استكمال العمل الميداني جنوب الليطاني مشروط بانسحاب إسرائيل ووقف عدوانيتها اليومية، والتزامها الفعلي باتفاق وقف إطلاق النار. تقول مصادر سياسية متابعة، مشيرة إلى أن الجيش شدّد أن خططه ليست منفصلة عن الواقع، وأن تفكيك المخازن أو جمع السلاح لا يمكن أن يتم بينما الطائرات الإسرائيلية تستهدف اللبنانيين.
لكن هذه النقطة الجوهرية لم تحظَ باهتمام واشنطن. الأميركيون ينظرون إلى تفعيل آلية الميكانيزم كإنجاز سياسي بذاته، ويريدون تسجيل التقدم قبل نهاية العام. لذلك يضغطون على الجيش لتطبيق المرحلة الأولى جنوب الليطاني مهما كان الوضع الميداني، ويعملون على تصويرها لاحقاً كاختراق تاريخي، يعكس قدرة الولايات المتحدة على فرض "حلول" في لبنان، لكن كل ذلك يجري بلا أي التزام بتقديم الدعم المطلوب للجيش، سوى مساعدات رمزية، علما أن المصادر على قناعة بأن الدعم للجيش سيأتي لأن الأميركيين يُريدون منه ان يطبق خطة حصر السلاح، كما العمل على إزاحة حزب الله تدريجياً، كما قال السيناتور الاميركي ليندسي غراهام مؤخراً.
كذلك فإن إعادة تفعيل عمل اللجنة من قبل الاميركيين بعد التجديد لقوات اليونيفيل يعني أن للأميركي نظرته لعمل هذه القوات، وبحسب المصادر فإن الاميركيين يريدون من الجيش اللبناني تسريع عمله، ومن اليونيفيل تفعيل عملها مواكبة لعمل الجيش للإسراع بتحقيق الهدف قبل نهاية العام.
من جهتها، تتعامل إسرائيل مع اللجنة باعتبارها الذراع السياسية للأميركيين في لبنان، وتتعاطى معها ببرود، في الوقت الذي تواصل فيه استخدام ذراعها العسكرية بلا أي قيود. وبحسب المصادر فإن اسرائيل تحضر إلى طاولة الناقورة لتكسب الغطاء الدولي والسياسي، لمواصلة قصف الجنوب بلا توقف، مشيرة إلى أنه بالنسبة لها، فالميكانيزم ليست آلية توازن أو مراقبة، بل منصة لتكريس معادلة إسرائيلية داخل لبنان تحت المظلة الأميركية، فخلال الاجتماع الأخير كان واضحاً ان الاميركيين يربطون استمرار الغارات بالتلكؤ اللبناني، بمعنى أن اسرائيل تضرب عندما تتأخر الدولة بعملها، وهذا لوحده امر خطير للغاية ويستحق التوقف عنده.
تكشف المصادر عبر "النشرة" أن الاجتماع الأخير انتهى بلا أي قرارات عملية، والمواقف لا تزال على حالها، فلبنان يشترط وقف النار، أميركا تريد إنجازاً سريعاً، وإسرائيل تراوغ سياسياً وتواصل عدوانها، وهذا المشهد المربك يفتح الباب أمام سيناريو أكثر خطورة هو احتمال أن تذهب إسرائيل نحو توسيع المواجهة على لبنان كما يقول السيناتور غراهام الذي أشار إلى ضرورة اعطاء مهلة لحزب الله لتسليم سلاحه، يمكن أن تكون 60 يوماً، يُصار بعدها بحال عدم تجاوبه إلى إعطاء الضوء الأخضر لاسرائيل لكي تتحرك وتقوم بما تراه ضرورياً.
يحاول الاميركيون مؤخراً تحديد مهلة نهاية العام كحدّ فاصل بين تحقيق تقدم على مستوى حصر السلاح، وبين البحث عن وسائل جديدة لتنفيذ ذلك، ولكن بحسب المصادر فإن المهل اليوم لم تعد مربوطة حكماً بملف بذاته، فالملفات في المنطقة باتت متداخلة والتطورات فيها تؤثر على بعضها البعض.
في المحصلة، لا نزال أمام لجنة تجتمع بلا نتائج للبنان، جيش يضع شروطه بلا استجابة، أميركيون يسابقون الوقت لتسجيل إنجاز يمكن تسويقه بالملف الإنتخابي، وإسرائيليون يرفضون التفاوض طالما هم قادرون على تنفيذ مشاريعهم بالدم والنار، ومع اقتراب نهاية العام، كل المؤشرات توحي بأن الأزمة ليست في طريقها إلى الحل.
























































