أعادت الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت خلط الأوراق التي حاولت واشنطن ترتيبها منذ وقف إطلاق النار في شهر نيسان الماضي. فالاستهداف وقع داخل لبنان، لكن ارتداداته تجاوزت حدوده سريعًا مع الرد الإيراني بالصواريخ على إسرائيل، لتعود الجبهة اللبنانية إلى قلب الاشتباك الإيراني-الإسرائيلي، بعد أسابيع من التعامل معها كملف قابل للفصل والضبط.
لم يكن جوهر المسألة في حجم الضربة وحده، ولا في فحوى الرسالة التي أرادت إسرائيل توجيهها إلى "حزب الله"، ومن خلاله إلى إيران أيضًا. فتل أبيب تدرك جيدًا المعنى السياسي والعسكري للضاحية بالنسبة إلى الحزب، وتدرك أيضًا أن استهدافها يختلف عن الضربات اليومية التي تنفذها في الجنوب، الذي تستمرّ انتهاكات وقف إطلاق النار في مختلف قراه، حتى بدا التعامل معها إسرائيليًا كجزء من إيقاع يومي لا يغيّر في جوهر الاتفاق، ولا يستدعي مراجعة جدية من رعاته.
لكن ما أعقب ضربة الضاحية بدا أهم من الضربة نفسها، فالرهان الأميركي على فصل المسارات تبدّد سريعًا بعد الضربة وما أعقبها، إذ كُسر الترتيب الذي حاولت واشنطن تثبيته خلال الأسابيع الماضية. وخلال ساعات، ظهر أن أي محاولة لعزل لبنان عن الحرب الأوسع تبقى محدودة الأثر عندما تقرر تل أبيب استخدام الضاحية أو الجنوب لتوجيه رسالة إلى طهران، وعندما تختار إيران الرد كي لا يتحول هذا الاستخدام إلى قاعدة ثابتة.
وقف النار كما تريده إسرائيل
منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تعاملت إسرائيل معه كأنه التزام مطلوب من الطرف الآخر أكثر مما هو قيد عليها. لم تتوقف يومًا عن استهداف القرى الجنوبية، كما لو أنّ الجنوب ليس مشمولًا بالاتفاق، لكنها لا تتوانى عن اتهام "حزب الله" بانتهاك الاتفاق عندما يردّ على ضرباتها، التي يتحوّل بعضها إلى مجازر، خصوصًا أنّ بعض المناطق باتت آهلة بالسكان.
بهذا المعنى، تريد إسرائيل هدوءًا من لبنان، لكنها لا تريد التخلي عن حرية التحليق والاستهداف وتحديد الخطر بنفسها. وفق هذا المنطق، يتحول وقف إطلاق النار إلى أداة لضبط رد "حزب الله"، لا إلى ضمانة متبادلة لوقف الاعتداءات. فهي تريد أن تترك لنفسها هامشًا للتحرك متى شاءت، بحجّة جاهزة، هي وجود "خطر" تقدّره وحدها، من دون الحاجة إلى تبريره حتى.
ضربة الضاحية جاءت من هذا الباب. اختيار المكان لم يكن صدفة، فالضاحية ليست نقطة على الخريطة فقط. هي عنوان سياسي، ورمز داخلي، ومركز ثقل في صورة الحزب ومكانته، بدليل أن التهديد باستهدافها فقط كان كافيًا قبل أيام للتوصل إلى تفاهم، ولو سقط سريعًا لهشاشته. بالتالي، حين تضرب إسرائيل الضاحية، فهي تعيد فتح ذاكرة الحرب، وتقول إن بيروت نفسها يمكن أن تعود إلى بنك الأهداف متى رأت تل أبيب أن ذلك يخدم رسالتها.
الأهم أن إسرائيل أرادت تثبيت قاعدة جديدة بلباس قديم: أي إطلاق من لبنان، أو أي نشاط تعتبره تهديدًا، يسمح لها بالذهاب أبعد من الجنوب. قد تضرب الضاحية، وقد توسّع الهامش، بمعزل عن مسار التفاوض الذي ترعاه واشنطن. المشكلة أن تل أبيب لا تتعامل مع الاتفاق كإطار يضبط الجميع، وإنما كمساحة تمنحها حق تفسيره ثم التصرف على أساس هذا التفسير.
لذلك، من الصعب عزل الضربة عن لحظة التفاوض. تل أبيب تدرك أن واشنطن لا تريد انفجارًا واسعًا، لكنها تعرف أيضًا أن الضغط الأميركي عليها لا يصل دائمًا إلى حد منعها من التصعيد داخل لبنان. هذه مساحة تستغلها جيدًا. كلما شعرت أن مسارًا سياسيًا قد يقيّدها لاحقًا، ترفع السقف ميدانيًا الآن، وتحاول رسم حدود ما سيكون مسموحًا لها بعد أي تسوية.
ماذا أرادت إيران أن تمنع؟
صحيح أنّ الرد الإيراني كان الأول من نوعه منذ توقف القتال في نيسان الماضي، إلا أنه لم يكن مفاجئًا تمامًا، باعتبار أنّ القادة الإيرانيّين لوّحوا به مرارًا في الأيام الأخيرة. فقد قالت طهران صراحة إنها سترد إذا استُهدفت العاصمة اللبنانية، وهذا ما فعلته. غير أن الاكتفاء بالتسلسل الزمني لا يشرح الكثير. فلماذا ردّت إيران اليوم مثلاً على الهجوم الإسرائيلي، لكنها لم تفعل بعد هجمات سابقة، كانت أكثر خطورة؟
ثمّة من يرى أنّ الهدف من الهجوم الإيراني كان "تكتيكيًا" في المقام الأول، فلو مرّت الضربة من دون رد إيراني، لكان ذلك يعني أن واشنطن وتل أبيب نجحتا في فصل لبنان عن المواجهة الأوسع، وأن "حزب الله" بات محاصرًا داخل ساحة لبنانية مضغوطة، من دون غطاء ردع إقليمي مباشر. بهذا المعنى، جاء الرد ليعيد وصل ما حاولت الدبلوماسية الأميركية تفكيكه، ويعيد كذلك التذكير بأن الضاحية ليست تفصيلًا لبنانيًا في الحساب الإيراني.
ليس سرًا أنّ إيران لم تكن تريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أو الذهاب إلى حرب مفتوحة. هذا واضح حتى الآن، وهو ما تلقّفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سعى سريعًا إلى احتواء الموقف وخفض احتمالات توسعه، على الأقل في الساعات الأولى التي أعقبت الرد. لكنّ طهران أرادت منع الخصم من الاعتقاد أنه يستطيع تغيير القواعد من دون ثمن، كما أرادت، في الحد الأدنى، منع تكريس معادلة تقول إن الضاحية تُضرب، ثم يبقى الرد محصورًا داخل لبنان أو مؤجلًا إلى أجل غير واضح.
في هذا السياق، يمكن قراءة سعي إيران إلى توسيع نطاق الرسالة بحيث لا يقتصر معناها على الضاحية وحدها، بل يشمل الجنوب أيضًا. فالمطلوب، من وجهة نظرها، ليس الرد على حادثة بعينها، بل منع تحول الضربات الإسرائيلية المتكررة إلى أمر واقع. وإذا استمرت إسرائيل في استهداف المناطق الجنوبية أو في تنفيذ عملياتها تحت مظلة وقف إطلاق النار، فقد ترى طهران أن ذلك يستدعي ردودًا إضافية.
الرسالة الأساسية هنا أن تداعيات العمليات الإسرائيلية في لبنان قد تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها. غير أن هذه المقاربة تضع لبنان أمام معادلة شديدة الحساسية. فمن جهة، قد تسهم في كبح اندفاعة إسرائيل أو رفع كلفة التصعيد عليها، لكنها من جهة أخرى تُبقي البلاد ضمن دائرة التوتر الإقليمي المفتوح. وفي حال تكررت الضربات الإسرائيلية أو رأت إيران أن الردود السابقة لم تحقق الغاية المطلوبة، فإن لبنان سيبقى معرضًا لأن يكون جزءًا من أي مواجهة مقبلة، بغض النظر عن موقفه أو قدرته على التأثير في مسارها.
واشنطن والفصل المستحيل
في هذا المشهد، تبدو الولايات المتحدة منشغلة بمحاولة الإمساك بالخيوط المتشابكة كلها دفعة واحدة. فهي تسعى إلى إبقاء باب التفاوض مع إيران مفتوحًا، وتحرص على تجنب مواجهة إقليمية واسعة قد تنسف الجهود السياسية التي تراكمها. لكن هذا الحرص لا ينعكس بالقدر نفسه على الساحة اللبنانية، حيث لا تبدو واشنطن قادرة، أو راغبة دائمًا، في كبح استخدام إسرائيل للبنان كساحة ضغط ورسائل واختبار للحدود.
يبرز هنا التناقض في المقاربة الأميركية. فعندما يلامس التصعيد إيران بشكل مباشر، تسارع واشنطن إلى احتواء الموقف ومنع اتساعه. أما إذا بقيت الضربات ضمن الساحة اللبنانية، فإن هامش التغاضي يبدو أوسع. لكنّ ذلك يحمل رسالة خطيرة إلى اللبنانيين مفادها أن منع الحرب الإقليمية الشاملة أولوية واضحة، فيما يُنظر إلى المواجهات المحدودة على أرضهم باعتبارها قابلة للاحتواء والإدارة.
إسرائيل تفهم هذه الثغرة. لذلك، تتصرف أحيانًا كأن لبنان هو المساحة التي تستطيع عبرها تحسين شروطها من دون دفع كلفة مواجهة أميركية كاملة. والدليل أنها تضرب في الجنوب بلا اعتبار لاتفاق وقف إطلاق النار، وتلوّح بضرب الضاحية، ثم تترك للدبلوماسية مهمة احتواء ما بعد الضربة.أما إيران، فتقرأ الأمر من زاوية معاكسة: إذا استُخدم لبنان للضغط عليها، فهي قادرة على إعادة ربط الجبهات وإرباك الفصل الأميركي بين الملفات.
وسط هذا كله، تبدو الدولة اللبنانية مطالبة بما يتجاوز قدرتها. يُطلب منها ضبط الجبهة، وتثبيت وقف النار، وفتح الطريق أمام ترتيبات أمنية، وربما الذهاب إلى نقاشات أوسع حول السلاح والحدود والضمانات. لكنها لا تملك ضمانة بأن إسرائيل ستتوقف عن الضرب، ولا تملك قرار الرد الإيراني، ولا تستطيع وحدها إخراج "حزب الله" من معادلته الإقليمية.
لبنان في قلب ما لا يقرره
ما بعد ضربة الضاحية لا يعني بالضرورة عودة الحرب الشاملة غدًا. ربما تنجح واشنطن، كما حصل مرارًا، في تبريد الساعات الأكثر خطورة، وهو ما بدا أنه تحقق في الساعات الأخيرة. لكنّ المشكلة أنّ هذا النمط نفسه صار جزءًا من الأزمة، ولا يُعَدّ حلًا لها، إذ تتكرر جولات التصعيد ضمن حدود محسوبة، يعقبها احتواء مؤقت للتوتر، من دون معالجة الأسباب التي تدفع إلى انفجار جديد كلما سنحت الفرصة.
هذا النوع من الاستقرار ليس استقرارًا فعليًا، فهو لا يمنح اللبنانيين شعورًا حقيقيًا بالطمأنينة، طالما أن النار لا تنطفئ بالكامل، وإنما تخفت قليلًا ثم تبقى قابلة للاشتعال في أي لحظة، وهو واقع اعتاده اللبنانيون منذ سنوات، بقيت خلالها البلاد عرضة لتجاذبات وصراعات تتجاوز قدرتها على التحكم بها.
لعلّ أخطر ما كشفته الساعات الأخيرة أن الفواصل التي حاولت واشنطن رسمها في الآونة الأخيرة، اهتزت كلها تقريبًا: الفاصل بين لبنان وإيران، وبين الجنوب والضاحية، وبين وقف النار المحلي والمفاوضات الإقليمية، وحتى بين الردع والحرب.
وفي النتيجة، تبدو الهدنة اللبنانية معلّقة على حسابات متزاحمة. إسرائيل تتعامل معها كهامش يسمح لها بمواصلة الضغط متى تشاء، وتراها إيران جزءًا من توازنها الإقليمي، في حين تريد واشنطن استخدامها جسرًا إلى تفاوض أوسع.
أما لبنان، فيبقى خارج القدرة على التحكم بمصير الهدنة، أما لبنان، فيبقى خارج القدرة على التحكم بمصير الهدنة، رغم أنه أول من يدفع ثمن اهتزازها.






















































