مرّ عام كامل على تلك اللحظة التي لا جدل في كونها "مفصليّة"، ليس في الحرب الإسرائيلية الأخيرة، ولا حتى في سجلّ الحروب المتكرّرة منذ ما قبل اجتياح بيروت 1982، ولكن حتى في تاريخ ​لبنان​، القديم والحديث، اللحظة التي اهتزّت فيها العاصمة بيروت على وقع الغارات العنيفة والمتتالية التي ضربتها، واللحظة التي أعلِن فيها بعد ذلك الخبر العصيّ على التصديق، عن استهداف الأمين العام السابق لـ"​حزب الله​" السيد حسن نصر الله.

على قسوته، لمؤيدي الرجل وخصومه على حدّ سواء، لم يصدّق أحد خبر الاغتيال، حتى بعد النعي الرسمي الذي صدر عن "حزب الله"، حتى إنّ بعض الأوساط تعاملت مع الخبر كما لو أنّه مجرّد إشاعة عابرة، ولم يتردّد البعض في الترويج لأخبار "كاذبة" من نوع "فشل" محاولة الاغتيال. لكن سرعان ما تأكّد الحدث الذي لا يزال كثيرون عاجزين عن استيعابه حتى اليوم، فالرجل شكّل لعقود رمزًا صلبًا في المشهد السياسي والعسكري الإقليمي، وارتبطت صورته بموازين الردع ومعادلات الحرب والسلم في لبنان وما يتجاوز لبنان.

ومع أنّ الاغتيالات كانت قد طالت "رفاق" السيد نصر الله في الصفوف الأولى في "حزب الله"، خلال الأيام السابقة لاغتياله، حتى إنّه توجّه إليهم في أحد خطاباته الأخيرة بالقول "إلى اللقاء القريب"، إلا أن أحدًا لم يكن يتوقع أن الرجل موضوع فعلاً على "قائمة الاستهداف"، وكان الانطباع السائد بأنّ اغتيالاً من هذا النوع كفيل بتفجير حرب إقليمية شاملة، وأنّ إسرائيل لن تجرؤ على تجاوز هذا الخط الأحمر.

غير أنّ إسرائيل ما بعد السابع من تشرين الأول 2023 ليست نفسها قبل ذلك التاريخ. فالمناخ الذي تلا عملية "طوفان الأقصى" والحرب المشتعلة في غزة ولبنان وساحات أخرى، فتح الباب أمام سيناريوهات ما كانت لتُتخيّل سابقاً، وفي مقدّمها اغتيال شخصية بهذا الوزن. ومع مرور عام كامل على ذلك الحدث، يبرز سؤال جوهري: ما الذي تغيّر منذ ​اغتيال نصر الله​؟ أين كان "حزب الله" وأين أصبح اليوم؟ وما انعكاسات هذه التحوّلات عليه أولاً، وعلى لبنان ثانياً؟.

قبل الإجابة على هذا السؤال، لا بدّ من التوقف عند مفارقة لا تزال بمثابة "لغز" برأي كثيرين، وهي أنّ وقع الاغتيال، وإن كان صاعقاً، جاء أقلّ بكثير من التوقّع، وربما أقلّ ممّا يستحق الرجل نفسه. قد يعزى ذلك إلى كون اغتياله جرى في خضمّ حرب شرسة متواصلة، لم تنتهِ فصولاً بعد، بحيث بدا أنّ اغتيال نصر الله، بكلّ ما يمثّله، ذاب في ضجيج أوسع، وهو ربما ما أدّى إلى خفض "الكلفة"، مقارنة باغتيالات أخرى، أقلّ أهمية بطبيعة الحال.

يضاف إلى ذلك، ما يمكن وصفه بـ"الصدمة" التي أعقبت الاغتيال على مستوى "حزب الله" نفسه، الذي لم يكن قادرًا على استيعاب ما جرى، حتى يفكّر بـ"الثأر" مثلاً. فالرجل لم يكن مجرّد قائد سياسي أو أمين عام لحزب عقائدي، بل كان المرجع الأعلى الذي يصعب تخيّل الحزب من دونه. من هنا، فإنّ هذا الغياب المفاجئ أدخل الحزب في مرحلة ضياع وارتباك غير مسبوقة، امتدّت أسابيع عدّة.

ولعلّ ما فاقم هذه الحالة، تمثّل في تواصل مسلسل الاغتيالات ليضرب كلّ قيادات الصف الأول، وعلى رأسهم السيد هاشم صفي الدين، الذي كان يشغل منصب رئيس المجلس التنفيذي للحزب، لكنه كان في الصميم المرشّح الطبيعي والجاهز لتسلّم القيادة خلفًا لنصر الله، في أيّ ظرف من الظروف، فكان استشهاده قبل إعلان استلامه دفة القيادة الرسمية ضربة قاسية أخرى للحزب، أجهضت الانتقال السلس للسلطة، وأغرقته في دوامة من التساؤلات الوجودية.

ويقول العارفون إنّ هذا الوضع خلق شعورًا داخليًا بأنّ الحزب يواجه أخطر اختبار في تاريخه منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي. فكلّ الاغتيالات السابقة، على قسوتها، لم تكن تضرب "قلب" القيادة وعمودها الفقري دفعة واحدة. لكن هذه المرّة بدا أنّ إسرائيل قرّرت المضيّ إلى النهاية في محاولتها استنزاف رأس الحزب وعقله التنظيمي والسياسي، وهو ما تجلّى لاحقًا في طريقة إدارتها للحرب، تحت عنوان "القضاء" على الحزب، أو قدراته العسكرية على الأقلّ.

تحت هذا الضغط، تحوّل مجرّد "الصمود" في وجه الآلة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية إلى فعل يُقدَّم داخلياً على أنّه انتصار. فالحزب أدرك أنّ استمرار وجوده بحدّ ذاته أصبح مهدَّداً، وبالتالي أعاد تعريف أولوياته: البقاء أولاً، ثمّ الحفاظ على قواعده الشعبية ثانيًا، قبل التفكير بأيّ أجندة إقليمية أو داخلية أوسع. وقد انعكس هذا التغيير في الذهنية مباشرة على أدائه السياسي والإعلامي، في ظلّ خطاب "مَرِن" حاول الأمين العام الجديد ​الشيخ نعيم قاسم​ اتباعه.

في النتيجة، وبعد عام على اغتيال نصر الله، يمكن القول إنّ الحزب لم يعد نفسه. فمن موقع "الآمر الناهي" في الداخل اللبناني، الذي كان يرسم الخطوط العريضة للحياة السياسية، بات اليوم "شبه مستضعَف"، حتى إنّ الكثير من الأصدقاء والحلفاء ابتعدوا عنه تدريجيًا. وهكذا، لم يعد يملي شروطه كما في السابق، بل صار مضطرًا للدفاع عن حضوره في تفاصيل صغيرة، وأحيانًا رمزية.

المثال الأوضح على ذلك ما شهدته بيروت أخيرًا حين أُضيئت صخرة الروشة بصورة نصر الله في ذكراه، فتحوّل الأمر إلى جدل واسع، وأثار اعتراضات سياسية وشعبية، حتى كاد يأخذ طابع أزمة وجودية للحزب نفسه، مع استنفار رئيس الحكومة لمواجهة القيّمين على هذه الفعالية. وإن دلّ هذا المشهد على شيء، فعلى حجم التراجع في النفوذ والهيبة، الذي لا يمكن لأحد نكرانه، مهما حاول المكابرة، وتكرار شعارات ومعادلات ما قبل الحرب.

فالحزب الذي كان يُحسَب له ألف حساب قبل اتخاذ أي خطوة داخلية أو خارجية، بات يُحاصر حتى في أبسط أشكال التعبير عن رموزه. ولعلّ هذا التراجع لا يعود فقط إلى الضربات التي تلقّاها رأسه وقياداته، بل أيضًا إلى تبدّل المزاج اللبناني العام. فالمجتمع المنهك اقتصاديًا وماليًا لم يعد يحتمل ثقل المواجهات المفتوحة، وبات في جزء كبير منه، يُحمّل الحزب مسؤولية مباشرة عن استمرار الحرب وتداعياتها، خصوصًا مع انسداد أفق التسويات.

في الوقت نفسه، لم تنجح القيادة الجديدة، وعلى رأسها الشيخ نعيم قاسم، في ملء فراغ نصر الله، رغم صعوبة المهمّة. فالمقارنة تكاد تكون مستحيلة بين "الكاريزما" التاريخية للرجل وبين شخصية أكثر هدوءاً وحذرًا، ما انعكس على صورة الحزب خارجيًا أيضًا، إذ تراجعت هيبته في الإقليم، ولم يعد الرقم الصعب نفسه الذي كان يُرسم في المعادلات الإقليمية، حتى إنّ منطق "سحب السلاح" بات هو الطاغي، رغم رفض الحزب المتكرّر.

عام كامل مضى إذًا على اغتيال السيد حسن نصر الله، والحصيلة تكشف تحوّلات دراماتيكية عميقة. على مستوى "حزب الله"، انتقل من موقع القوة المتعاظمة إلى موقع الدفاع عن النفس والبقاء. وعلى مستوى لبنان، تراجع حضوره كقوة مهيمنة لصالح واقع أكثر تعقيدًا، تتنازعه الانقسامات الداخلية والتجاذبات الإقليمية. وبين هذا وذاك، قد يقال إنّ الحزب ما زال قائماً، وإنّ مشروعه لم يسقط، لكن المؤكّد أنّه لم يعد هو نفسه، وهنا بيت القصيد!.