أُعيد رسميا، ليل السبت27 أيلول الجاري، فرض عُقوبات أُممية على طهران، بعد تعثُر المُفاوضات مع الأُوروبيين الذين يُطالبون بضمانات في شأن البرنامج النووي الإيراني، في مُقابل تنديد طهران بقرار اعتبرته غير قانوني، دفعها إلى استدعاء سُفرائها في البلدان المعنية.
وعليه فقد بات السُؤال: ما مصير الاتفاق المُبرم بين إيران والقوى الكبرى، في شأن البرنامج النووي الإيراني، في العام 2015؟...
ذاك الاتفاق الذي أتاح رفع عُقوبات اقتصادية كان مجلس الأمن الدولي يفرضها عليها، لقاء تقييد نشاطاتها النووية.
لقد باتت مفاعيل الاتفاق المذكور، في حُكم اللاغية، بعدما انسحبت واشنطن أحاديا منه في العام 2018، ما دفع طهران إلى التراجُع تدريجا عن تنفيذ بنود أساسية فيه.
ولقد حدد اتفاق 2015، تحت اسم خطة العمل الشاملة المُشتركة، سقف مُستوى التخصيب بــ 3،67 %، غير أن إيران، باتت الدولة الوحيدة غير المسلّحة نوويا، التي تُخصب اليورانيوم بمستويات عالية (60 %)، قريبة من الحد التقني اللازم لانتاج القُنبلة الذرية (90 %)، بحسب "الوكالة الدولية للطاقة الذرية".
وتملك إيران، وفق الوكالة، حوالي 440 كيلوغراما من اليورانيوم المُخصب، بنسبة 60 %، وهو مخزون يكفي إذا ما تم تخصيبه إلى 90 %، لإنتاج ما بين 8 إلى 10 قنابل نووية، بحسب خبراء.
تزامُنا، سُجلت نكسة جديدة على صعيد المُفاوضات ذات الصلة، فقد أجرت الولايات المُتحدة وإيران، مُحادثات في شأن اتفاق جديد في وقت سابق من هذا العام، إلا أن طهران انسحبت منها، بعد شن "إسرائيل" هُجوما واسعا عليها في حزيران، تدخلت فيه واشنطن باستهداف مُنشآت نووية أساسية.
بزشكيان
يشعُر الإيرانيون أن المطالب الأميركية لا نهاية لها... وكُلما تم تذليل عقبة، تُحضر واشنطن لعقبة أُخرى لتُعيد المُفاوضات إلى المُربع الأول أو توقف التفاوض.
والسبت الماضي، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إن واشنطن طلبت من طهران تسليمها "كُل" مخزون اليورانيوم المُخصب، لقاء تمديد رفع العُقوبات. وصرح لصحافيين في نيويورك، حيث شارك في الجمعية العمومية للأُمم المُتحدة، بأن الولايات المُتحدة "تريدنا أن نُسلمها كُلّ اليورانيوم المُخصّب لدينا، في مقابل إعفاء من العُقوبات لثلاثة أشهر... ذلك غير مقبول بأي شكل"... وأردف: "بعد بضعة أشهر، سيكون لهم مطالب جديدة وسيقولون (مُجددا) إنهم يُريدون تفعيل آلية العُقوبات".
تخريب أوروبي؟
قد لا يكون الأميركي وحيدا في العمل على إعاقة التفاوض النووي مع إيران... كما وقد تتماهىى السياسة الأُوروبية في هذا المجال مع واشنطن. ففي أواخر آب الماضي، أطلقت بلدان الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا)، ما يُعرف بـ "آلية الزناد" التي تُتيح إعادة فرض العُقوبات التي رُفعت عن الجُمهورية الإسلامية بعد اتفاق العام 2015.
وقد منح مجلس الأمن الضوء الأخضر لهذه الخُطوة، وفشل مسعى روسي - صيني مُشترك ليل الجمعة 26 أيلول 2025، في تمديد المُهلة.
ونتيجة ذلك، أُعيد ليل السبت - الأحد فرض عُقوبات "قاسية" على إيران، من حظر على الأسلحة وتدابير اقتصادية...
واحتجاجا على هذه التطورات، استدعت طهران سفراءها في فرنسا وألمانيا وبريطانيا "للتشاور"، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي الإيراني السبت.
لافروف
وتزامُنا، اتهم وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، الدول الغربية بـ "تخريب" المساعي الديبلوماسية. وقال من على منبر الأُمم المُتحدة إن رفض مجلس الأمن المُقترح الروسي - الصيني الجمعة، "أظهر سياسة الغرب الهادفة الى تخريب مواصلة الحُلول البناءة"، مُنددا بما اعتبره "ابتزازا".
في المقابل، أكد وزير الخارجية الألمانية يوهان فاديفول، السبت في الأمم المتحدة، أن الأُوروبيين ما زالوا "مُنفتحين على مُفاوضات للتوصُل الى اتفاق جديد".
هواجس شعبية
في طهران، تُثير عودة العُقوبات خشية من صُعوبات اقتصادية إضافية. ونبضُ الشارع الإيراني يُؤشر إلى ازدياد الوضع سوءا، فيما بلغ سعر صرف الريال الإيراني مُستوى قياسيا هو 1،12 مليون ريال للدولار الواحد، ما سيُؤدي حتما إلى زيادة في الأسعار!.
كما ولوحظ إقبال يفوق المُعتاد على شراء الذهب في "بازار طهران"، فيما يخشى المُواطنون أيضا من عودة الحرب.
هي هواجس عززها عقم اللقاءات التي عُقدت في أروقة الأُمم المُتحدة بحثا عن حل لأزمة المفاوضات مع طهران، وبخاصة عبر لقاء بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس بزشكيان. غير أن الأوروبيين، ما زالوا على موقفهم، وهُم يعتبرون أن إيران لم تتخذ "الإجراءات الملموسة" المطلوبة منها.
الشروط الأوروبية
وتأتي الشُروط الأوُروبية على إيران، لتزيد في طين المُفاوضات المُتعثرة أصلا بلةً!.
فقد ووضعت الدُول الأُوروبية ثلاثة شروط تشمُل مُطالبة إيران بمنح مُفتشي "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، وصولا كاملا إلى المُنشآت النووية الأساسية، واستئناف المُفاوضات وبخاصة مع واشنطن، فضلا عن اعتماد آلية لضمان أمن مخزون اليورانيوم المُخصب.
مُرونة إيرانية؟
في المُقابل، تُظهر طهران مُرونة في تعاطيها مع التطورات التفاوضية المُتسارعة... فبعد تعليق العمل مع الوكالة الأُممية إثر هجمات حزيران، قبلت إيران مُجددا مطلع أيلول الجاري، بإطار جديد للتعاون مع الوكالة.
وأفادت الوكالة، ليل الجمعة، عن استئناف التفتيش في بعض المواقع النووية "هذا الأسبوع".
غير أن وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي، اتهم الأميركيين والأوروبيين بـ "سوء النيّة"، مؤكدا أن طهران "لن ترضخ" أبدا للضُغوط في ملفها النووي.
وأكد الرئيس الإيراني، من جهته، أن طهران لن تنسحب من مُعاهدة حظر الانتشار النووي ردا على العُقوبات.
ويعتبر الإيرانيون، كما الروس والصينيون، إعادة فرض العُقوبات على دولتهم غير قانونية.
لا زناد
في ظل هذه التطورات، يخشى مُراقبون أن يُقرر بعض البلدان، وأبرزها روسيا، "النأي بالنفس" من قرار مجلس الأمن إعادة فرض العُقوبات، وهي فرضية لمح إليها، الجمعة، نائب السفير الروسي في الأُمم المتحدة دميتري بوليانسكي. وقال بعد تصويت المجلس: "لا زناد ولن يكون هناك زناد. وكل مُحاولة لإعادة إحياء القرارات المُناهضة لإيران... المُعتمدة قبل 2015 هي لاغية وباطلة".























































