صحيح أن العلاقة بين "حزب الله" ورئيس الجمهورية جوزاف عون بقيت "محصّنة نسبيًا" حتى بعد الاهتزاز الذي أصابها في أعقاب القرارات الحكومية الشهيرة حول حصرية السلاح بيد الدولة، التي صدرت في جلسات عقدت للمفارقة في قصر بعبدا برئاسة عون، إلا أنّ اللقاءات الرسمية بينهما "انقطعت" إلى حدّ بعيد، حتى إنّ هناك من كان يسرّب أخبارًا عن رفض الحزب الاجتماع بموفدين شخصيّين للرئيس تعبيرًا عن سخطه ممّا جرى.
لذلك ربما اكتسب اللقاء بين رئيس الجمهورية ورئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد في قصر بعبدا هذا الأسبوع أهمية استثنائية، فهو الأول من نوعه منذ إقرار خطة "حصرية السلاح"، كما أنّه يأتي قبل أيام فقط من جلسة لمجلس الوزراء مخصّصة إلى التقرير العسكري الأول لقيادة الجيش حول المسار التنفيذي للخطة، وما تحقّق حتى الآن، علمًا أنّ رعد التقى أيضًا قائد الجيش العماد رودولف هيكل في اليرزة بعيد لقاء عون.
من هنا، يتأكّد أنّ التوقيت ليس تفصيلاً؛ فالمسألة تتجاوز بروتوكول التشاور إلى محاولة واضحة لضبط الإيقاع السياسي وتفادي منزلقات مواجهة داخلية، فيما يُستكمل على الأرض انتشار الجيش جنوب الليطاني وسط عوائق يَعدّها التقرير المرتقب بالتفصيل، وفق بعض المعلومات المسرّبة بشأنه، فكيف تُقرَأ جولة الحزب على المرجعيّات قبيل هذه الجلسة، وأيّ رسائل يحمّل من يلتقيهم عشية صدور التقرير العسكري، وبالتزامن مع استمرار ضغوط نزع السلاح؟!.
بحسب المعطيات المتوافرة حول جلسة مجلس الوزراء التي ستعقد الأسبوع المقبل، فإنّ قائد الجيش سيقدّم خلالها شرحًا وافيًا لما أُنجز ليس فقط منذ إقرار خطة الجيش لحصر السلاح الشهر الماضي، بل منذ وقف إطلاق النار، باعتبار أنّ مهمة الجيش بدأت عمليًا على الأرض منذ ذلك الوقت، وسيركّز على العوائق التي تعترض استكمال انتشار الجيش في المناطق الحدودية.
وتشير المعلومات إلى أنّ التقرير المرتقب سيتضمّن إحصاءات دقيقة عن مخازن الأسلحة التي تسلّمها الجيش من "حزب الله"، بالتعاون مع قوات اليونيفيل، مع تفاصيل عن أنواع هذه الأسلحة وأعدادها، وسط نقاش حول مصيرها في ظل المطالبات الإسرائيلية بتدميرها. كذلك سيعرض خطوات المرحلة المقبلة المرتبطة موضوعيًا بانسحاب إسرائيل من النقاط المحتلّة ووقف العدوان، وهو ما يجعل أيّ تصعيد ميداني بمثابة عائق بنيوي يحول دون استكمال الخطة.
ولعلّ هذا بالتحديد هو بيت القصيد، ففي وقت تستمرّ الضغوط على "حزب الله" والدولة اللبنانية من أجل سحب السلاح، وحتى الضغوط من أجل وقف مهمّة قوات اليونيفيل، لا تتوافر أيّ ضمانات حتى يتمكن البديل الشرعي، أي الجيش، من حفظ الحدود، وقد سبق للمبعوث الأميركي توم براك أن عبّر بوضوح وصراحة عن ذلك بقوله إنّه لا يستطيع تقديم هكذا ضمانات، من دون أن يثنيه ذلك عن رمي الكرة في ملعب لبنان حصرًا في كلّ مناسبة.
وكان لافتًا حرص قائد الجيش على إجراء جولة في المناطق الجنوبية عشية الجلسة، شملت صور والبيّاضة وقيادة اللواء الخامس وقطاع جنوب الليطاني، في إشارة إلى متابعة لصيقة لمسار الانتشار والجاهزية، وإلى أنّ "الملف" ليس ورقة مكتبية بقدر ما هو مسار عمل ميداني مستمرّ. وبحسب العارفين، تعزّز هذه الجولة، في توقيتها وخطّ سيرها، الانطباع بأنّ المؤسسة العسكرية تهيّئ "بيان واقع" مفصّلاً أمام مجلس الوزراء يدمج ما أُنجز وما يَحول دون استكماله.
وقبل أيام من الجلسة الحكومية، تبدو الأجواء السياسية إيجابية نوعًا ما، حتى إنّ الانطباع السائد هو أنّها لن تشبه جلستي "حصرية السلاح" السابقتين، أقلّه على مستوى حضور وزراء "الثنائي الشيعي"، علمًا أنّ أوساطًا سياسية تؤكد تعاون "حزب الله" جنوب الليطاني "إلى أقصى الحدود" مع الجيش، مشيرة إلى أنّ استكمال العملية شمال النهر يرتبط بقرار سياسي، لا تقني، وهو ما يفسّر حساسية الجلسة المقبلة وتداعياتها على التوازنات الداخلية.
وفي وقت تُسمّي المصادر المعوّق الأبرز صراحة: إسرائيل، وخياراتها التصعيدية التي يراهن كثيرون على كبحها بالوقت والضغوط، برز على خطّ متقاطع الإعلان الأميركي عن تقديم 230 مليون دولار دعمًا للمؤسّسات الأمنيّة اللبنانية (190 مليونًا للجيش و40 للأمن الداخلي)، وهي مساعدة بدت "مشروطة" بنزع سلاح "حزب الله"، ما فُسّر على أنّه استمرار للضغوط الأميركية، أو ما يصفها البعض بـ"الإملاءات"، عشية عودة المبعوثة مورغان أورتاغوس إلى بيروت.
استنادًا إلى كلّ ما تقدّم، لا يمكن قراءة اللقاء بين النائب محمد رعد وكلّ من الرئيس عون والعماد هيكل، سوى في إطار هذه المشهديّة المتكاملة، فحراك "حزب الله" يحمل بهذا المعنى رسائل مزدوجة لا يجدر القفز عليها: انفتاح الحزب على التنسيق مع المرجعيات الدستورية والعسكرية في لحظة مفصلية، وحرصٌ مقابِل من الرئاسة والجيش على تدوير الزوايا وتفادي تحويل ملف "حصرية السلاح" إلى مسرح صدام داخلي.
وبالتالي، فإنّ المعادلة المطلوب تكريسها، من زاوية الحزب على الأقلّ، هي معالجة التباينات بتفاهمات تدريجية تمنع الانفجار السياسي، وتحييد الجيش عن التجاذب الحادّ، علمًا أنّ لغة “التهدئة الحازمة” ظهرت كذلك في توصيف الإعلام للّقاء الرئاسي بأنه "مريح"، وفي تركيز المداولات، بحسب التسريبات، على كيفية عبور "الأشهر الثلاثة الصعبة" المقبلة بأقلّ كلفة سياسية وأمنية، وهي فترة سيؤشّر إليها تقرير الجيش بوصفها امتحاناً تنفيذياً على الأرض.
بذلك، يبدو الحزب كمن يبعث برسالة استعداد لتنسيق الخطوة خطوة، ما دام المسار لا يُترجَم إلى محاولة "كسر" أحادية أو إلى توظيف خارجي يطيح توازنات الداخل، وذلك تجنّبًا لوصول الأمور إلى الصدام، الذي قد يكون جزءًا من الأجندة الإسرائيلية الخفية. إلا أنّ خصوم الحزب على الضفة المقابلة، يقرأون الحراك باعتباره التفافاً استباقيًا على أي قرارات قد يتّخذها مجلس الوزراء أو ما قد يترتّب على التقرير من التزامات.
باختصار، يذهب تقرير قيادة الجيش إلى مجلس الوزراء مزوّدًا بأرقام ومشاهدات ميدانية، ويذهب "حزب الله" إلى بعبدا واليرزة مزوّدًا بإشارات سياسية ملحوظة. وبين هذين المسارين، يتحدّد شكل المرحلة القريبة: هل تُمنح المؤسّسة العسكرية تفويضًا عمليًا لمراكمة خطوات إضافية في الجنوب بغطاء حكومي ورئاسي واضح؟ وهل ينجح مسعى تدوير الزوايا في منع تحوّل ملف السلاح إلى أزمة نظامٍ مفتوحة؟.
ما يُرجَّح حتى الآن أنّ "حصرية السلاح" ستُدار بمنهج التقطيع المرحلي: توسيع انتشار الجيش جنوبًا، تثبيت آليات تسلّم/ضبط المخازن بإشرافٍ أممي ولوجستي، وتحييد مناطق التماسّ عن الاحتكاك. بالتوازي، سيستمر الضغط الدولي، أميركيًا خصوصًا، عبر الدعم المشروط سياسيًا ومعنويًا بتقوية المؤسّسات، من دون أن يعني ذلك قدرةً على فرض وقائع فورية شمال الليطاني حيث القرار سياسيّ الطابع.
من هنا تبدو لقاءات رعد مع الرئاسة والجيش جزءًا من محاولة "إدارة الزمن السياسي" بين حدّين: منع انفجار داخلي يريده بعض الخارج، وتفادي ترجمة تقرير الجيش إلى معركة كسرٍ داخلية. ولعلّ الأشهر الثلاثة المقبلة ستكون اختبارًا لهذه المعادلة، على وقع خروقات واحتلال متبقٍّ جنوبًا، ورقابةٍ حكومية على مسار التنفيذ، ومساعٍ للتنسيق تحول دون الانزلاق إلى مواجهة عبثيّة.
























































