يُذكَر ​توما الرسول​ في إنجيل يوحنَّا بلقب "التوأم[1]". واسم توما يأتي من الكلمة الآراميَّة «Ta’oma»، وباللغة اليونانيَّة Δίδυμος Dídymos. ولكن هو "توأم" من يا تُرى؟ هل هو توأم بيولوجيٌّ بالولادة مع أخ أو أخت؟ أم هو لقب رمزيٌّ لسبب أو لآخر؟ الكتاب المقدَّس لا يذكر لنا سبب اللقب. سنتوقَّف في هذه المقالة عند أوَّل ذكر له عندما تبلَّغَ الربُّ يسوع ​المسيح​ بمرض لعازر (يوحنَّا 11)، وقال يسوع بأنَّ مرض لعازر ليس للموت، بل «لأجل مجد الله، ليتمجَّدَ ابنُ الله به». وبعد أن مكث يسوع مع تلاميذه يومين في الموضع الذي كان فيه، قال: «لنذهب إليه». فاعترض التلاميذ قائلين للربِّ بأنَّ اليهود يطلبون رجمه. فأكمل يسوع كلامه بأنَّ لعازر قد نام وهو سيذهب ليوقظه، ولكن في الحقيقة كان لعازر قد مات، ولكن أراد الربُّ من كلامه أن يشرح للتلاميذ أنَّ الموت الحقيقيَّ هو ليس الموت الجسديَّ بل الروحيُّ، وأمَّا الموت الجسديُّ فهو رقاد. ولكنَّ التلاميذ لم يفهموا وقالوا له ببساطة إنَّ لعازر إذًا سيستيقظ ويشفى. عندها قال لهم الربُّ بصريح العبارة بأنَّ لعازر مات. وهو سيفرح من أجلهم ليؤمنوا. وأصرَّ على الذهاب إليه. عندها قال توما متحمِّسًا: «لنذهبْ نحن أيضًا لكي نموت معه!». وعندما وصل يسوع إلى بيت عنيا كان لعازر قد مرَّ عليه أربعة أيَّام في القبر، وأقامه الربُّ من بين الأموات، أو بالأحرى أعاد خلقه من جديد، لأنَّ لعازر كان قد أنتن.

يحمل هذا الحوار بعدًا خلاصيًّا وإلهيًّا محوريًّا في حياتنا، ويمكن تفصيله إلى نقاط أربع:

النقطة الأولى: لا موت مع المسيح بل رقاد وانتقال إلى حياة أبديَّة.

النقطة الثانية: يسوع هو الإله المتجسِّد ومعطي الحياة وصاحب السلطان الأبديِّ.

النقطة الثالثة: موقف التلاميذ الَّذي يمثِّل الطبيعة البشريَّة، أي الخوف من الاضطهاد والقتل والابتعاد. هذا كان موقفهم قبل حلول الروح القدس عليهم في العنصرة. فهم قبل حلول الروح القدس عليهم شيء، وبعد حلوله شيء آخر. هكذا تمامًا نحن، من دون الروح القدس، لا نفهم كلام الإنجيل ولا يكون عندنا شجاعة المؤمن الحقيقيِّ، وعلينا أن نجتهد ونجاهد ونواظب على الصلاة والتوبة ومراجعة الذات على ضوء الإنجيل، ونعترف بخطايانا وضعفنا ونتَّضع ونتنقَّى لنتَّحد بالربِّ ونمتلئ من الروح القدس لنصبح بالربِّ خليقة جديدة.

النقطة الرابعة: موقف توما الرسول الشجاع بقوله: «لنذهب ونموت مع المسيح». هل ما قاله كان نابعًا من تعلُّق بالمسيح وإخلاص وأمانة، أو اندفاع عاطفي تجاهه وحماس؟ أم كان فعلًا يدرك أنَّ يسوع هو غالب الموت؟.

توما الرسول معروف بصراحته وإعلان ما يجول في فكره، فهو الَّذي قال للربِّ: «يا سيِّد، لسنا نعلم أين تذهب، فكيف نقدر أن نعرف الطريق؟» (يوحنَّا 14: 5)، وذلك عندما قال يسوع للتلاميذ إنَّه ذاهب ليعدَّ لهم مكانًا في بيت أبيه السماويِّ، وحيث يكون هو يكونون هم معه، وهم يعلمون أين هو يذهب ويعلمون الطريق.

وأيضًا توما أعلن بالفم الملآن للتلاميذ الَّذين ظهر لهم يسوع بعد قيامته ولم يكن توما معهم: «إنْ لم أُبصرْ في يديه أثر المسامير، وأضعْ إصبعي في أثر المسامير، وأضعْ يدي في جنبه، لا أؤمن» (يوحنَّا 20: 25). لكن عندما عاد وظهر الربُّ لهم بعد ثمانية أيَّام وكان توما حاضرًا وقال له الربُّ تعال وأبصر يديَّ وتحسَّس جنبي، أعلن توما إعلانه العظيم: «ربِّي وإلهي!» (يوحنَّا 20 :28). وانطلق توما بعدها يبشِّر بالمسيح إلى أقاصي بلاد الهند مرورًا ببلاد فارس وغيرها، وله كنيسة مشهورة هناك في مدينة مليلابور/تشيناي (Mylapore) بجنوب الهند وتحوي شيئًا من رفاته، حيث يعتقد أنَّها شيِّدت حيث استشهد حوالي العام 72 م. كذلك تمَّ نقل بعض من رفاته في حوالي القرن الثالث عشر إلى (Ortona)–إيطاليا، حيث هي موضوعة في قبر، وهو محجٌّ للمؤمنين.

في الخلاصة، قد يكون لتوما شقيق أو شقيقة توأم، ولكنَّ لقبه هذا أعطاه في الكنيسة بعدًا روحيًّا أعمق بكثير من الرباط الجسديِّ، على الرجاء أن يكون توأمنا بالبوح بمكنونات قلوبنا والإفصاح عنها بصراحة تامَّة دون تردُّد، لنكون حقًّا شجعانًا بالمسيح. حتَّى شكُّه هو شكُّ كلِّ التلاميذ كما يذكر الإنجيل عندما عادت حاملات الطيب من القبر يوم الأحد صباحًا وظهر لهنَّ الربُّ، وأخبرن التلاميذ بذلك فكان كلامهنَّ عندهم كالهذيان ولم يصدِّقوهنَّ (لوقا 24: 11)، وشكُّنا نحن، الَّذي تحوَّل إلى اعتراف كبير بألوهيَّة المسيح.

إلى الربِّ نطلب.

[1]. يوحنا 11: 16 – 14: 5 – 20: 24-29 – 21: 2.