على أبواب الانتخابات النيابية، اشتعلت وسائل التواصل بالشعارات والاصطفافات، من لبنان الى كل دول العالم، حيث تنتشر هناك الأصوات المطلوبة الى صناديق الاقتراع... ويوم الحساب بات قريباً.
استفاق نوّاب البرلمان على ورشة عمل لتحديد القانون الانتخابي الذي يُفصَّل في كل استحقاق على قياس مقاعد الكتل النيابية، فراحت كل واحدة منها للشدّ على مقياس جمهورها بالشكل الذي يضمن لها البقاء في السلطة. هذا أمر طبيعي، ولكن أن يتفاوض أعضاء المجلس على قانون تصويت المغتربين، من دون الرجوع الى رأيهم، فأمرٌ مرفوض لا يحترم إرادة اللبنانيين المنتشرين، خاصة ونحن في عصر ثورة الاتصالات والتواصل.
اشتد النقاش في البرلمان، حول قانون اقتراع المغتربين، بين كتلٍ مؤيّدة لانتخاب الـ128 نائباً، وكتلٍ أيدت مشروع قرار يدعو الى انتخاب ستة نوّاب لبنانيين في الخارج يمثلون ست قارات، بما فيها قارة أنتاركتيكا حيث تعيش فصيلة اغترابية من طائر البطريق! فعلاً، إنها فكرة لم تخطر على بال "الفارابي" يوماً حين أراد تحديث "مدينته الفاضلة".
كيف لقارة أميركا، الجنوبية والشمالية، التي تحتضن عشرات الملايين ان تُمثَّل بنائب واحد؟ وكيف ستتواصل هذه الملايين مع ممثلهم الوحيد؟ وكيف سينتخب اللبناني في الكونغو نائبه في ليبيا وهو لا يعرف أصله وفصله؟ لقد سخر اللبنانيون المنتشرون، بنسبة 90% من قانون انتخاب النواب الستّة، حسب استطلاع أجرته الالكترونية اللبنانية "النشرة" بين اميركا وكندا.
في الصورة الأولى، بدا مشهد الردود من كندا حول هذا الموضوع حماسياً، مقارنة بالتي وردت من الولايات المتحدة، وعبّرت عن استياء كبير من حالة البلد وتعاطي السلطة حتى اليوم مع الحلول المبنيّة على النكايات والنكد السياسي.
عدد كبير من لبنانيّي أميركا يرفض المشاركة في الانتخابات المقبلة، بسبب يأسِهم من وطن يُبرّئ المجرم، ويكرّم الجاني، ولم يتوصل الى توقيف الفاسدين، فاختصروا كلامهم بـ"شكراً لله أننا هاجرنا، وصار عندنا وطن".
الطبيب الشهير محمود التامر في نيويورك، أكّد أنْ لا خلاص للبنان إلاّ بإلغاء الطائفية السياسية. وإذا لم يتغيّر هذا النظام الذي أوصل البلد الى الانهيار، سيبقى لبنان يصارع البقاء. ودعا المغتربين الى التواصل والضغط على البرلمان من الخارج لإلغاء الطائفية، حتى ننطلق ببناء دولة تواكب العصر وتواجه التحديات.
ريتا ملاّط من بوسطن، رفضت تحجيم الملايين واختصارهم بستة نواب، وطالبت بأن تمارس حقّها الانتخابي ضمن مدينتها وحقوقها التي اكتسبتها على الهوية منذ الولادة. وأكدت ان المادة ١١٢ التي وضعها رئيس المجلس النيابي نبيه برّي هي هرطقة دستورية لتضييع أصوات المغتربين.
أمل خوري، نايلة يونس، تانيا يمّوت، وريتا الزعنّي من نيويورك فضّلن الاقتراع لنواب مناطقهم في لبنان، لأن انتخاب نوّاب للقارات الست لن يكونوا فاعلين وسيكون حضورهم في البرلمان رمزيّاً.
مجموعة من مؤيدي "التيار الوطني الحرّ" في أميركا، أيّدوا انتخاب 128 نائباً في البرلمان، رافضين تشكيلة نواب القارّات الستّ، وطالبوا بعدم ذكر أسمائهم كي لا يُحرَجوا أمام رئيس حزبهم المؤيّد للخيار الثاني.
استفتاء "النشرة" لم يلقَ جواباً من القناصل الفخريين المعيّنين في أميركا، ربما لأنهم خافوا على مناصبهم الفخريّة من جواب لا يروقُ وزارةَ الخارجية. ووزير الخارجية يوسف رجّي، بدوره، ليس متحمّساً لصيغة انتخاب نواب القارات الست، وطالب المغتربين بأن يُبدوا رأيهم من خلال استفتاء يقومون به وتُرسَل نتائجه الى الوزارة، في وقتٍ يطالِبُ فيه المغتربون الوزارةَ ان تقوم هي بهذا الاستفتاء عبر الإنترنت. ولكن ما عساه الوزير ان يفعل في وزارة شبه معدومة الإمكانيات، تعيش في زمن ما قبل عصر الذكاء الاصطناعي، وقد صُرفت خمسة ملايين دولار في الوزارات السابقة لتحديث البرامج الإلكترونية؟ طار المال واستمر التواصل الإلكتروني بمستوى العام ٢٠٠٠!.
جورج ع. تشاءم من عملية وصول اتفاق على شكل اقتراع المغتربين، وانتقد الكتل النيابية التي تطالب اليوم بصيغة انتخاب الـ128 نائباً، وقد اقترع في السابق لصيغة نواب القارات الست، معتبراً انهم ارتكبوا غلطة إستراتيجية بحق المواطنين.
في كندا اختلف المشهد، وظهر الحماس الانتخابي أضعاف ما بان في اميركا، فأصدر "التيار الوطني الحرّ" في أوتاوا بياناً يتبنّى خيار نواب القارات الست لأنه يعطي دعماً للمسيحيين في البرلمان. وأكّد "التيّار" في بيانه "أن هذا القرار يعود الى السبعينات ويتيح للمسيحيين استعادة بعض المقاعد التي خسروها بفعل الاحتلال السوري او بفعل اختلال التوازن الديمغرافي". وطالب البيان بالتصويت الإلكتروني كآليّة لتشجيع المغتربين على المشاركة.
الصحافيون اللبنانيون في كندا بولا ابو حيدر وجيري عبسي وجاكلين جابر والمحامية ر. وهبة فضلوا انتخاب نواب الدائرة الواحدة في القنصليات الكندية، رافضين الصيغة الأخرى لأنها تهمّش حقوق المغترب. من تورنتو، أصرّت الصحافية ناديا المصري والسيدة ل. س. على انتخاب نواب منطقتهما، مذكّرتَين بحقوقهما الكاملة في مواطنيتهما وإنْ كانتا تعيشان مع عائلتَيهما في الخارج، وأكّدتا على ان اللبنانيين يعملون في الخارج لمستقبل ودعم بلادهم. أمّا المهندس جورج بركة فطالبَ بالسماح للمغتربين بأن يحدّدوا خيار اقتراعهم، فإما أن يصوتوا في لبنان لنواب مناطقهم، وإما أن ينتخبوا شخصية من القارة لتمثيلهم في البرلمان، كي ينقل هواجس ومطالب المغتربين الى المجلس النيابي.
ما لمسَتْه "النشرة" ان حماس اللبنانيين الشباب دون الثلاثين من العمر لم يتجاوب مع الاستفتاء حول شكل قانون الانتخاب. فالظاهر انهم تأمركوا بالسياسة كما بالوظائف والحياة الاجتماعية.
ومع وصول الخريف، بدأت الوفود البرلمانية بجولات انتخابية في الولايات المتحدة، لتشرح للمغتربين عن إنجازاتها تشجيعاً للمّ الأصوات في الربيع المقبل.
وعلى أمل ان يُدرك البرلمان اللبناني ان ليس له الحق باختيار قانون اقتراع المغتربين قبل القيام باستفتاء عبر الإنترنت لمعرفة رغبتهم في الصيغة التي يرونها تناسب تطلعاتهم، يبقى المشهد أن لبنان متخلّف عن مواكبة العصر السيبراني في ظل هذه الشلّة من السياسيين الفينيقيين... القصة قصة تجارة.
سمر نادر-الأمم المتحدة
نيويورك