تشهد الساحة اللبنانية جدلاً متصاعداً حول إمكانية إجراء مفاوضات مع إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في ظل تصريحات متباينة من القيادات اللبنانية وضغوط دولية متزايدة. يأتي هذا الجدل في ظل التحولات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة، وعلى رأسها التغيير في المشهد السوري وما يحمله من تداعيات على المعادلات الإقليمية، وكلام الرئيس السوري احمد السرع (ابو محمد الجولاني) عن الاستعداد للتفاوض المباشر مع الاسرائليين والتمهيد لاقامة سلام او تطبيع معهم.
في هذا المجال، جاءت تصريحات الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون لتعكس حالة التوازن الدقيق الذي يحاول النظام اللبناني الحفاظ عليه. فمن جهة، يدرك عون ضرورة الحفاظ على استقرار البلاد وتطبيق القرار 1701 وتحمّل الضغوط الدولية، ومن جهة أخرى يواجه قيوداً سياسية داخلية تحد من هامش تحركاته. في المقابل يمثّل رئيس مجلس النواب نبيه بري، صوتاً آخر في المعادلة اللبنانية، وهذا ما ظهر من خلال تصريحاته الأخيرة التي تعكس حذراً استراتيجياً من المفاوضات المباشرة.
لكن أحد أكبر المعوقات أمام أي مفاوضات جدية يتمثل في استمرار الانتهاكات الإسرائيلية اليومية لاتفاق وقف الأعمال العدائية، وهو الامر الذي خلق حالة من انعدام الثقة تجعل أي حديث عن مفاوضات أو حوار بنّاء، أمراً صعب التحقيق، اذ كيف يمكن التفاوض مع طرف لا يحترم الاتفاقيات القائمة؟.
في هذا السياق، تشهد الساحة اللبنانية تصاعداً ملحوظاً في الضغوط الأميركية لدفع لبنان نحو مفاوضات مع إسرائيل. هذه الضغوط تتخذ أشكالاً متعددة، من رسائل دبلوماسية مباشرة للقيادات اللبنانية تحثهم على الانخراط في حوار مع إسرائيل، إلى ربط المساعدات والدعم الاقتصادي بالتقدم في المسار التفاوضي، وصولاً إلى التحذيرات من تصعيد عسكري محتمل في حال عدم التجاوب مع المبادرات الأميركية. لكن هذه الضغوط تواجه معضلة أساسية تتمثل في الواقع السياسي اللبناني المعقد وعدم قدرة أي طرف لبناني على اتخاذ قرارات أحادية بشأن هذا الملف الحساس.
يضاف إلى هذه المعطيات عامل إقليمي جديد يزيد من تعقيد المشهد اللبناني، وهو التحولات الجذرية في سوريا منذ تولي أحمد الشرع (ابو محمد الجولاني) قيادة البلاد. هذا التغيير السياسي الدراماتيكي في دمشق أحدث شرخاً في المعادلات الإقليمية التي كان لبنان جزءاً منها لعقود طويلة. الحديث المتزايد عن احتمالات تقارب سوري-إسرائيلي، أو على الأقل تحييد سوريا في الصراع العربي-الإسرائيلي، يضع لبنان في موقف حرج للغاية: من جهة، هناك الضغوط الأميركية والدولية المباشرة، ومن جهة أخرى هناك محاولة لتصوير لبنان كآخر معقل للمقاومة في منطقة تتجه نحو التطبيع، كل ذلك يشجع إسرائيل على التشدد أكثر في مطالبها، ويزيد من الضغوط على لبنان للقبول بشروط تفاوضية غير مواتية.
المعوقات أمام المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية تبقى عميقة وبنيوية، فالمجتمع اللبناني، على اختلاف مكوناته، يحمل ندوباً عميقة من الصراع مع إسرائيل، ناهيك عن وجود اتفاقات لم يتم احترامها وقرارات دولية ضربت بها اسرائيل عرض الحائط، فكيف يمكن الوثوق بضمانات جديدة في ظل هذا الواقع؟.
لذلك، الأرجح في المدى القريب هو استمرار الوضع الراهن، حيث تستمر الانتهاكات الإسرائيلية، وتستمر الضغوط الأميركية، بينما يحافظ لبنان على موقفه الرافض للمفاوضات المباشرة. قد يتم اللجوء إلى وساطة أميركية أو أممية لمعالجة قضايا تقنية محددة، على غرار ترسيم الحدود البحرية الذي تم سابقاً، دون الدخول في مفاوضات شاملة أو تطبيع. ويرى كثيرون انّ الحل يتطلب التزاماً إسرائيلياً فعلياً بوقف الانتهاكات وتطبيق الاتفاقيات القائمة بالكامل، ما يشكل عامل ضغط على حزب الله للتخفيف من تعنته، ويعطي مجالاً للموقف الرسمي لترسيخ فكرته والانخراط في مفاوضات غير مباشرة تنعكس ايجابا ًعلى الجميع.
في الخلاصة، يبدو ان المفاوضات ليست غاية بحد ذاتها، ولكنها شر لا بد منه في ظل الصورة الجديدة للشرق الاوسط التي حملها معه الرئيس الاميركي دونالد ترامب الى شرم الشيخ.




















































