مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لما سمّي اتفاقًا لوقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني، يستمرّ تجاهل تل أبيب لهذا التفاهم، بذريعة ما سُمّيت بـ"حرية الحركة" التي أصرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تشريعها لنفسه بموجب الاتفاق، ويستمرّ أيضًا "عجز" الدول التي وُصِفت بالضامنة عن الضغط على إسرائيل لوضع حدّ لخروقاتها المتمادية، بل إنّ بعض هذه الدول لا يتردّد في "التحذير" من حرب جديدة، قد تكون وشيكة.
على وقع هذا التصعيد المتواصل في الجنوب، معطوفًا على مناورات عسكرية واسعة أعلن عنها الجيش الإسرائيلي مساء الأحد، قائلاً إنها تحاكي سيناريوهات عدّة توحي بأنّ الحرب لا تزال مستمرّة، جاءت مبادرة الرئيس جوزاف عون بالدعوة إلى مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل لتكسر حلقة الجمود التي تحيط بالملف، ولتعيد إلى الواجهة النقاش حول مستقبل التهدئة في الجنوب، وحول إمكانية أن تشكّل المفاوضات المقترحة مخرجًا سياسيًا للأزمة.
وتبدو مبادرة الرئيس عون، أقلّه في الشكل، محاولة لاستثمار مناخ التهدئة الذي أرساه اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، رغم الخروقات التي لا تزال محدودة نوعًا ما، والذي ترجم أيضًا بقمة شرم الشيخ، التي سُمّيت "قمة السلام"، وكأنّ رئيس الجمهورية أراد "حجز" موقع لبنان في التسوية الإقليمية القادمة، عبر التأكيد على أنّ لبنان أيضًا يريد السلام، وهو مستعدّ لمفاوضات جادّة ومسؤولة، من أجل وضع حدّ لصراع كلّف البلد كثيرًا، ولا يزال.
وعلى الرغم من بعض التحفّظات التي قد تخرج من هنا وهناك، تشير المعطيات المتوافرة إلى "شبه إجماع" في الداخل على مقاربة مبادرة عون بإيجابية، في ظلّ انطباع بأنها جاءت نتيجة تنسيق رئاسي وحكومي مع رئيسَي الحكومة والمجلس النيابي، وبأنّ "حزب الله" لا يمانع المضيّ بها، بشرط عدم تقديم أي "تنازلات مجانية"، فأيّ حظوظ لهذه المبادرة على الأرض، وهل تقبل بها إسرائيل، أم أنّ تصعيدها الأخير شكّل "الردّ الساطع" عليها؟!.
عمليًا، تتأسّس المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية على ثلاث ركائز واضحة: تثبيت وقف إطلاق النار، واستئناف مفاوضات الناقورة غير المباشرة بإشراف اللجنة الثلاثية وقيادة "يونيفيل"، وضمان رعاية أميركية فاعلة للمسار تشبه تلك التي رافقت اتفاق ترسيم الحدود البحرية. وهي بذلك تشكّل محاولة لتوسيع نطاق القرار 1701 وإعادة الاعتبار إلى الدور الدبلوماسي اللبناني الذي جُمّد طويلاً بفعل الانقسامات والتوترات.
وقد حظيت هذه المبادرة بزخم داخلي يمكن البناء عليه، إذ بدا موقف مختلف الأفرقاء متجاوبًا معها بصورة أو بأخرى، علمًا أنّ المعطيات تتحدث عن تنسيق كامل بين رئيس الجمهورية ورئيسي الحكومة ومجلس النواب بشأنها، حتى إنّ موقف "حزب الله" لا يبدو سلبيًا منها، وقد لوحظ أنّ المقرّبين منه اكتفوا بالتشديد على شرط أن تبقى أيّ مفاوضات مع إسرائيل غير مباشرة، وأن تسبقها إجراءات حقيقية لوقف الخروقات والاعتداءات.
إلا أنّ الوقائع الميدانية أوحت بموقف إسرائيلي "سلبي" من المبادرة، جسّدته بوضوح الرسائل "بالنار" التي وجّهها الجيش الإسرائيلي في الأيام الماضية، بما في ذلك المناورة الواسعة التي أعلن الجيش الإسرائيلي عن القيام بها على الحدود مع لبنان. ويرى العارفون أنّ توقيت هذا التمرين "غير بريء"، مباشرة بعد طرح المبادرة اللبنانية، ولا سيما أنّ "العبرة" منها واضحة، وهي أنّ "وقف النار" بالنسبة لإسرائيل ليس نهاية الحرب، بل استراحة "مؤقتة".
تزامن ذلك مع تصعيدٍ ميداني في الجنوب تمثّل بعمليات توغّل محدودة، واستمرار استهداف مواقع مدنية تحت ذريعة "الاشتباه في نشاطات لحزب الله"، وهي ذريعة لم تعد منطقية ولا واقعية لكثرة استهلاكها. ووفق العارفين، فإنّ إسرائيل تحاول من خلال هذه العمليات والمناورات القول إنّ الجبهة اللبنانية ستبقى مفتوحة حتى إشعارٍ آخر، وإنّ أيّ تفاوض أو ترتيبات جديدة يجب أن يمرّ عبر فرض وقائع عسكرية على الأرض.
في هذا السياق، لا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي عن التحذيرات التي أطلقها الموفد الرئاسي الأميركي توم براك، والتي وُصِفت بـ"الأخطر" على الإطلاق، ولو غلّفها بعنوان "وجهة نظر شخصية"، وكأنّه يحيّد بذلك الإدارة عنها. فقد أقرّ في تصريحاته بأنّ اتفاق وقف إطلاق النار "فشل"، لكنّه لم يحمّل إسرائيل المسؤولية، بل حذر لبنان من مواجهة عسكرية جديدة، قد تكون "وشيكة"، في حال لم يمضِ سريعًا بإجراءات ملموسة لنزع سلاح "حزب الله".
لكن، على الرغم من هذه النبرة الصارمة، يراهن لبنان على أنّ واشنطن لن تدفع نحو انفجار جديد في الجنوب، وأنّها لا تزال تفضّل ضبط الميدان عبر المسار التفاوضي، ولو بشكلٍ بطيء. فالمبادرة الرئاسية، كما يوضح أحد الوزراء المشاركين في المشاورات، "محاولة لخلق أرضية حوار تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة"، حتى إنّ هناك من يرى فيها محاولة "للضغط" على الولايات المتحدة، من أجل إشراك لبنان في مسارات السلام التي تعمل عليها.
هكذا، يجد لبنان نفسه أمام مشهد متناقض: في الوقت الذي يقدّم فيه مبادرة حوارية تسعى لتثبيت وقف النار وإعادة الاعتبار للمسار الدبلوماسي، تردّ إسرائيل بمناورةٍ عسكرية وتحذيرات نارية. وفيما تحاول الرئاسة والحكومة والمجلس توحيد الموقف حول التفاوض غير المباشر، تبدو تل أبيب منشغلة بفرض جدول أعمالها الخاص عبر الميدان. أما واشنطن، فتبدو مترددة بين الحفاظ على التهدئة ومنع الانفجار، وبين مسايرة الحسابات الإسرائيلية في مرحلة ما بعد غزة.
وسط هذه الحسابات المتداخلة، تبدو المبادرة الرئاسية بمثابة اختبارٍ جديدٍ لقدرة لبنان على الجمع بين الواقعية السياسية والتمسّك بالسيادة، وعلى تحويل الدعوة إلى التفاوض إلى رافعةٍ وطنية لا إلى ورقة ضغطٍ ظرفية. فالمعادلة اليوم ليست بين الحرب والسلم فحسب، بل بين خيار أن يكون لبنان حاضرًا في التسويات المقبلة أو غائبًا عنها، وإن كان هناك من يعتبر أنّ "سحب السلاح" يجب أن يأتي أولاً، وبعد ذلك لكلّ حادث حديث!.





















































