مُعضِلَةُ ​لبنان​َ المُعاصِر أنَّهُ مُحاطٌ جيوسياسِيَّاً مِن نِظامَينِ: الأوَّلُ مُستَوحِشٌ، والثاني مُتَوَّحِشٌ. وَكِلاهُما: التَوَحُّشُ والوِحشَةُ في تَلاقٍ وَتَحالُفٍ لإستِعبادِ الحَضارَةِ. الثاني يَقتُل لِأجلِ اللهِ، والأوَّلُ بِإسمِ اللهِ. وَكِلاهُما مُطلِقانِ العِنانَ لِعَدَمِيَّةِ ال​وجود​ِ إلَّا لِقوَّتِهِما.

بَينَ هَذِهِ العُنفِيَّةِ المُطلَقَةِ في إقصائِها حَقيقَةَ اللهِ والإنسانِ الحَقِّ، وَفَرضِ سَلامِ القوَّةِ، يَقِفُ لبنانُ كُلِيَّةَ التّحَدّي.

ذاتَ حَقَبَةٍ، أسَّسَ جَيشٌ هائِلٌ لَهُ إمبراطورِيَّةُ أخضَعَتِ العالَمَ القَديمَ، بِالإنضِواءِ عُنوَةً وَقَسراً تَحتَ ظِلالِها. روما! لَكِنَّها إنهارَت مِن داخِلٍ لا بِفِعلِ إندِثارِ القوَّةِ، بَل بِبُزوغِ تَآلُفِ العَقلانِيَّةِ وال​إيمان​ِ، بالمَقولاتِ والتَشارُكِيَّةِ. إنهارَت بِفِعلِ تآلُفِ الثائِرِ (وِحدَةُ الإيمانِ) والمُثارِ عَلَيهِ (وَحدانِيَّةُ العَقلِ). وَكانَ الفَصلُ الكَبيرُ بَينَ "مَدينَةِ اللهِ" وَ"المَدينَةِ الأرضِيَّةِ"، وِفقَ المُؤَلَّفِ الهائِلِ لِكَبيرِ قِدِّيسي العَصرِ أغوسطينوسَ الُلبنانيِّ الجُذورِ، الطالِعِ مِن كيانِيَّةِ لبنانَ القائِمَةِ في ذاتِها على تَآلُفِ الطَبيعَةِ والروحِ والأُلوهَةِ، الى صَخَبِ التَصارُعِ على إمتِلاكِ العالَمِ البَشَريِّ.

أجَل! ما أسقَطَ روما مِن داخِلٍ هوَ التَصارُعُ الوجوديُّ بَينَ الأبَدِيَّةِ والزَوالِ، بَينَ الإيمانِ والمَعاصِيَ.

قُلتُ: لبنانُ كُلِيَّةُ التَحَدّي؟ بَل كُلِيَّةُ تَجسيدِ الأساسِ والغايَةِ. الأبَدِ والخَلاصِ. شَريعَةُ النِعمَةِ وإحتِكامُ الفَضيلَةِ. قُلّ: تَآلُفُ الهارمونيا العَقلِيَّةِ وَتَكامُلُ القِمَمِ الإيمانِيَّةِ، في إتِّحادٍ حَيٍّ يَضُمُّ المِعنى الى التَرابُطِ، والمَوقِفَ الى النِظامِ، بِحَيثُ أنَّ الروحَ توحي ما هوَ خارِجَها. الصَرامَةُ والحُرِيَّةُ. بَل الصَرامَةُ في الحُرِيَّةِ. في إنسِجامِ المُؤَلَّفِ بِوَجهِ طُغيانِ تَدميرِ الحَضارَةِ.

أجَل! ما أسقَطَ روما مِن داخِلٍ هوَ بُلوغُ حُبِّ الذاتِ ما بَعدَ حُدودِ إحتِقارِ الأُلوهَةِ فإقصائِها، والسُلطَةُ ما بَعدَ تَمجيدِ مَصالِحَ الأقوياءِ بِفَرضِها قَوانينَ وَضعِيَّةٍ هي خُلاصاتُ أنانِيَّاتٍ لا إكتِفاءَ لَها حَدَّ زَعزَعَةِ بُنيَةِ كُلِّ كَينونَةٍ.

أأقولُ: لبنانُ تَحَدّي الكُلِيَّةِ؟ بَل تَحَدّي التارِيخِ كَدراما خَلاصِيَّةِ لا مُجَرَّدَ تَسَلسُلِ تَصارُعٍ. فَكُلُّ "مَدينَةٍ أرضِيَّةٍ" بُذورُ فَنائِها فيها، وَإن بَدَت مُنتَصِرَةً. وَكُلُّ "مَدينَةٍ للهِ"، وَإن بَدَت إرثاً إندَثَرَ، سائِرَةٌ نَحوَ التَحَقُّقِ. الثانِيَةُ وجودُها في الحَقيقَةِ لِلحَضارَةِ، الأولى في الوجودِ المُنغَلِقِ على عِبادَةِ الزائِلِ: الزَمَنُ والمادَّةُ.

المُعطى والمُضادُ

عَبَثاً يُحاوِلُ سَلامُ القُوَّةِ فَرضَ إلغائِيَّتِهِ عَلى كُلِيَّةِ لبنانَ تارَةُ مِنَ النِظامِ المُتَوَّحِشِ، وَطَوراً مِنَ النِظامِ المُستَوحِشِ. أما أدرَكا بَعدُ، أنَّهُ المُعطى وَهُما المُضادُ؟ أما لَمَسا بَعدُ أنَّهُما في تَحالُفِهِما وَتَلاقيهِما، وَإن إبتَغَيا الما لانِهايَةَ، سَيَنتَهيانِ الى مُضادٍ يُبيدُ المُضادَ السابِقَ لا لبنانَ؟

بِالضَبطِ، هَذا لبنانُ بِوَجهِ الجَدِيَّةِ العُنفِيَّةِ المُطلَقَةِ لِكِلَيهِما، مَهَما تَجَبَّرا. هوَ الجَوهَرُ الَذي يَصُبُّ الجَواهِرَ مِن كُلِيَّتِهِ. قُلّ: مِن أزَلِيَّتِهِ.

هوَ لبنانُ الَّلا يَرى المَدينَتَينِ فَقَط في خارِجٍ، بَل في داخِلِ كُلِّ نَفسٍ بَشَرِيَّةٍ: كُلِّ قَرارٍ، كُلِّ صِراعٍ داخِليٍّ. فالإنسانُ لَيسَ فَقَط مُنتَمٍ لِمَدينَةٍ، بَل هوَ ساحَةُ المَعرَكَةِ بَينَ المَدينَتَينِ. وَهُنا عَبقَرِيَّةُ ذاكَ الُلبنانَ: المَدينَةُ لَيسَت مَكانًا، بَل حالَةً وجودِيَّةً، وَكُلُّ إنسانٍ هوَ مَشروعُ مَدينَةٍ، إمَّا أن يَبنيها على أساسِ الأُلوهَةِ ‒كَما لبنانُ مُنتَمٍ لِلأُلوهَةِ المُنبَثِقِ مِنها‒، أو على تَفَجُّرِ الأنانِيَّاتِ ‒كَما النِظامَينِ الجيوسياسِيَّينِ المُحيطَينِ بِهِ. قُلّ: إمَّا يَكونُ لُبنانِيَّاً فَيَنتَصِرَ على سَلامِ القُوَّةِ، السَلامِ الرومانِيِّ Pax romana، المُكرَّرِ، المُفنيِ، أو يُدَمِّرُ ذاتَهُ مِن داخِلٍ فَيَزولَ بِالطُغيانِ المُتلاغيَ لِبَعضِهِ البَعضِ، مُشَتَّتاً، موَّزَعاً إرَباً.

هوَ لبنانُ الحَضارَةُ-التَحديدُ، القِمَّةُ القاطِعَةُ لِقوَّةِ السَلامِ-الحَقيقَةِ!